في الساعات الأخيرة، تحولت بلدة توري باتشيكو (منطقة مورسيا) إلى مركز أزمة اجتماعية وعرقية تعكس إشكالية أعمق بكثير داخل المجتمع الإسباني. فملاحقة المهاجرين الشباب من أصول مغاربية ووصمهم، باستعمال خطابات الكراهية وحملات التضليل، تكشف إلى أي مدى يلعب اليمين المتطرف بالنار، مهددًا بذلك أسس التعايش والاستقرار المجتمعي.
قضية عبد الرحيم، الذي تم استهدافه زورًا، ونُشرت بياناته الشخصية إلى جانب أربعة شباب آخرين في إشاعة مغرضة، ليست سوى غيض من فيض. فالاعتداء على الإسباني دومينغو، وما تبعه من موجة اتهامات عشوائية بلا أدلة موجهة ضد الجالية المغربية، تعكس دينامية خطيرة في المجتمع الإسباني.
من جهتها، وجهت جمعية الإسلام في مورسيا نداءً عاجلاً إلى التهدئة ونبذ العنف، مذكّرة بأن الجالية المغاربية هي أول من يريد تحقيق العدالة، بغضّ النظر عن جنسية الجناة الحقيقيين. ومع ذلك، فإن التوظيف السياسي والإعلامي للأحداث، خصوصًا من قِبل أطراف كـفوكس وألويسه بيريث وديسوكوبا، زاد من تأجيج أجواء المواجهة والكراهية، في ظرف تعاني فيه هذه الجالية أصلاً من التهميش والعنصرية الهيكلية لسنوات طويلة.
ولا يبدو من قبيل الصدفة أن يتزامن هذا التصعيد مع تقليص في الخدمات الاجتماعية وتشديد متزايد في السياسات المتعلقة بالهجرة، منذ وصول اليمين المتطرف إلى عدد من المؤسسات الجهوية والمحلية. والنتيجة واضحة: مجتمع أكثر انقسامًا وهشاشة، يسهل فيه الترويج لخطابات تُحمِّل المهاجرين والمسلمين مسؤولية كل الأزمات.
الوقائع تتحدث عن نفسها. ففي الوقت الذي خرج فيه جزء من المواطنين في مظاهرة سلمية للدفاع عن التعايش ومناهضة العنف، اقتحمت مجموعات يمينية متطرفة المسيرة، مطلقةً بذلك عملية مطاردة منظمة للشباب المغاربيين في شوارع توري باتشيكو. ولم تكن هذه الاعتداءات حالات معزولة، بل أدوات توظيف سياسي في يد من يسعى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي.
مع ذلك، فهذه الاعتداءات وخطابات الكراهية لا تمثل غالبية الإسبان، ولا قيم التعايش والاحترام. قبل 25 سنة، سجلت أحداثًا مؤلمة في إل إيخيدو، حيث خلّفت وصمة التجريم الجماعي آثارًا مدمرة على مجتمعات بأكملها. وتكرار هذه الأنماط ليس فقط ظلمًا صارخًا، بل خطرًا جسيمًا على مستقبل مجتمع متعدد ومتنوع.
لهذا، يجب على المؤسسات والإعلام والمجتمع المدني تحمّل مسؤوليتهم في تفكيك الإشاعات، وإدانة العنصرية، والمساهمة في بناء مشروع جماعي قوامه العدالة والمساواة وكرامة الإنسان، بغض النظر عن أصله أو جنسيته.
إن اللعب بالنار بملاحقة المهاجرين المغاربيين مجازفة لا تستطيع إسبانيا تحمّلها. فالسلم والتعايش لا يتحققان إلا بالحوار والاحترام والإدماج. وعلى اليمين المتطرف أن يدرك أن الإقصاء والكراهية لا يولّدان سوى العنف والانقسام.