في ما اعتُبر “اتفاقًا تاريخيًا”، وقّعت وزارة الدفاع الإسبانية اتفاقية رسمية تهمّ تفويت 140 ألف متر مربع من الأراضي العسكرية لفائدة مدينة سبتة، من أجل توظيفها في مشاريع عمرانية وإنشاء وحدات للسكن الاجتماعي. وقد جرى التوقيع على الاتفاق، يوم الاثنين، بين وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغاريتا روبلس، ورئيس حكومة المدينة، خوان خيسوس فيفاس، في خطوة تُعدّ فصلاً جديدًا في تدبير المجال الترابي بأحد أكثر المواقع حساسية على الضفة الشمالية لإفريقيا.
الاتفاق ينصّ على إخلاء تدريجي لثلاث ثكنات عسكرية هي: “العقيد فيسكر”، و”الملازم فونتيس بيلا”، و”أوتيرو”، على أن يتم نقلها إلى قاعدة “الجنرال باردو دي سانتيانا” في أفق الانتهاء من هذه العملية مع نهاية سنة 2026. ووفقًا للمصادر الرسمية، فإن الهدف من هذه الخطوة لا يقتصر فقط على تعزيز نجاعة الجيش الإسباني، بل يتعداه إلى تحرير وعاء عقاري حيوي في مدينة تعاني أصلًا من خصاص هيكلي في الأراضي القابلة للاستغلال.
وتُعدّ هذه العملية تفويتًا غير مؤدى عنه، وستُمكّن المدينة من استرجاع ما يعادل 8.5% من مجموع مساحتها، في أفق توجيهه لبرامج سكنية واجتماعية وتنموية، من شأنها أن تُنعش النسيج العمراني وتُحفّز الاقتصاد المحلي. وقد أكدت الوزيرة روبلس قائلة: “حين تكون القوات المسلحة منخرطة، فإن الاتفاقات تُوقَّع وتُنفَّذ”، في إشارة إلى التزام الحكومة بإتمام المشروع في الآجال المحددة.
لكن ما وراء الأرقام والمشاريع الحضرية، تحمل هذه الخطوة دلالات سياسية واضحة. فبينما يتمسّك المغرب، وبشكل ثابت، بموقفه السيادي تجاه سبتة ومليلية، تمضي الدولة الإسبانية في تعميق إدماج المدينتين داخل منظومتها المؤسسية من خلال برامج تصفها بالتنموية ومقاربات مدنية تتجاوز المقاربة الأمنية والعسكرية التقليدية.
وبهذا المعنى، لا يكتفي الاتفاق بالاستجابة لحاجيات محلية مرتبطة بالسكن، بل يُوجّه أيضًا رسالة سياسية واضحة نحو الضفة الجنوبية للمتوسط: مفادها أن مدريد تعزّز حضورها في المدينة عبر البعد الاجتماعي والعمراني والمؤسساتي.
ومن منظور إقليمي، تُعيد هذه الخطوة إحياء النقاش حول مستقبل الثغرين في السياق الأورو-إفريقي، خاصة في ظل المفارقة المتواصلة بين موقعهما الجغرافي الإفريقي، والديناميات السياسية والإدارية التي تُدار بها المدينتان داخل المنظومة الإسبانية. لا يخفى على أحد أن الثغرين يعانيان تنمويا واقتصاديا، وأنهما لا يدخلان في حسابات السياسيين الإسبان إلا عندما يتعلق الأمر بالحملات الانتخابية أو مهاجمة الخصوم السياسيين.