توفيق سليماني
في عز العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والتجارية الممتازة والمتميزة بين المغرب وإسبانيا، لا يزال الإسبان يعتبرون المغرب التهديد الخارجي الرئيس. وضد كل منطق، فإن هذه النسبة ارتفعت منذ عام 2021 بدل أن تتراجع بعد المصالحة الدبلوماسية بين البلدين في شهري مارس وأبريل من عام 2022. أما اليمين الإسباني، فما زال يحتفظ بنظرة سلبية تجاه المغرب، لا تعكس الواقع، ولا تنسجم مع الوضع الراهن للعلاقات الثنائية.
نتائج “بارومتر المعهد الملكي إلكانو”، الذي نُشر اليوم الإثنين في مدريد، تكشف عن وجود خلل في مستوى إدراك الرأي العام الإسباني لطبيعة العلاقة بين البلدين. فالرأي العام الإسباني ما زال يحمل تصورات مشوهة عن المغرب، ويستند إلى صور نمطية موروثة من الماضي.
المعهد الملكي إلكانو، وهو مركز أبحاث وفكر يُعتبر بمثابة العقل الاستراتيجي المحرك للسياسة الخارجية الإسبانية، أجرى مقابلات مع 1.000 شخص ما بين 19 و29 مايو 2025.وعندما سُئل المستجوبون: “ما هي الدولة التي تعتقد أنها قد تشكل تهديداً لإسبانيا؟”، كشفت إجابات 400 شخص (من الذين يرون أن إسبانيا مهددة من أطراف خارجية) عن تصورات بعيدة على الاقل عن المنطق السياسي والاقتصادي والدبلوماسي بين البلدين في الوقت الراهن. إذ يعتبر 55% من هؤلاء أن المغرب يشكل التهديد الخارجي الأكبر لإسبانيا، تليه روسيا بنسبة 33%، ثم الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الثالثة بنسبة 19%. في عز التوتر بين واشنطن ومدريد، من جهة، ومدريد وموسكو، من جهة أخرى، يصر الإسبان على الإشارة للمغرب.
أما بنسب أقل بكثير، فقد جاءت إسرائيل بنسبة 8%، ثم الصين بنسبة 6%، تليها الدول العربية أو الإسلامية بشكل عام بنسبة 4%. فيما لم تتجاوز الإشارات إلى “الإسلاميين أو الجهاديين” وإلى الجزائر نسبة 1% لكل منهما. في حين يرى 7% أن “دولاً أخرى” تمثل تهديداً، بينما قال 3% إنهم لا يعلمون أو لم يجيبوا (NS/NC). والغريب هو أن الانفصال لا يظهر كتهديد في الوقت الذي تزعم فيه كل الأحزاب الدفاع عن وحدة وسيادة إسبانيا.
وجاء في تقرير المعهد: “لقد طرأ تطور في تصور التهديدات المحتملة لإسبانيا. فالمغرب لا يزال يحتل المركز الأول، بنسبة أعلى مما سجلته النسخ السابقة من هذا الاستطلاع، فيما حافظت روسيا على المركز الثاني”.
وتظهر هذه النتائج وجود تصور نقدي للغاية بعيد عن الواقع تجاه المغرب، إذ يُقدَّم على أنه البلد الأكثر إثارة للمخاوف من حيث التهديدات الخارجية، متقدماً على قوى دولية كبرى مثل روسيا والولايات المتحدة. وهي تصورات لا علاقة لها بالوضع الراهن للعلاقات الإسبانية-المغربية.
وتتناقض هذه المخاوف مع الواقع الحقيقي للعلاقات الثنائية. فقد شهد تصور التهديدات الخارجية لإسبانيا تغيراً ملحوظاً بين نوفمبر 2021 ومايو-يونيو 2025. ووفقاً للنتائج التي تم تجميعها في النسخ السابق (42 و44 و45) من بارومتر إلكانو (BRIE)، فإن المغرب يرسّخ موقعه كأكثر البلدان إثارة للقلق لدى الرأي العام الإسباني. ففي نوفمبر 2021، كان 35% من الإسبان فقط يعتبرونه تهديداً، لتقفز النسبة إلى 49% في مارس-أبريل 2024، وتصل إلى 55% في مايو المنصرم.
أما روسيا، فقد ظلت حاضرة بقوة في هذه التصورات الإسبانية، إذ ذكرها 20% من المستجوبين في 2021، لترتفع إلى 36% في 2024، قبل أن تنخفض قليلاً كتهديد إلى 33% حالياً. في المقابل، شهدت صورة الولايات المتحدة كتهديد خارجي ارتفاعاً لافتاً: من 3% فقط في 2021، إلى 5% في 2024، ثم إلى 19% في الاستطلاع الأخير.
وفي حين بقيت نسب بلدان مثل إسرائيل (8%) والصين (6%) والدول العربية بشكل عام (4%) منخفضة كتهديد، إلا أنها سجلت ارتفاعاً طفيفاً مقارنة بالسنوات الماضية.
وتكشف هذه المعطيات عن تغير تدريجي في نظرة الإسبان للتهديدات الخارجية، مع تزايد لافت في حضور المغرب ضمن هذه التصورات، وظهور الولايات المتحدة كلاعب جديد في قائمة الانشغالات الجيوسياسية للمواطن الإسباني.
أما النقطة الإيجابية الوحيدة، فهي تراجع نسبة من يرون المغرب كتهديد خارجي داخل الأوساط اليسارية. ويبيّن التقرير كيف تختلف تصورات التهديدات الخارجية باختلاف التوجه السياسي. ففي أوساط اليسار، تُعتبر روسيا التهديد الأكبر (42%)، تليها الولايات المتحدة (34%)، ثم المغرب بنسبة 27%.
أما في الوسط (أي بين اليسار واليمين)، فيرتفع المغرب إلى المرتبة الأولى بنسبة 56%، بينما تنخفض روسيا إلى 34%، وتتراجع الولايات المتحدة إلى 18%. أما في اليمين (الحزب الشعبي وفوكس من اليمين المتطرف)، فيهيمن المغرب على تصور التهديدات بنسبة 73%، فيما تأتي روسيا بـ24%، والولايات المتحدة بـ10% فقط.
وقدم إلكانو تحليلا خاصا لهذه التصورات قائلا: “هناك فرق كبير في الإدراك حسب الانتماء الإيديولوجي للمستجوبين: فاليسار يخشى روسيا والولايات المتحدة أكثر بكثير من اليمين، والعكس صحيح بالنسبة للمغرب، الذي يُعتبر التهديد الرئيسي لدى اليمين”.
وباختصار، كلما اقترب الإسباني من اليمين، زاد احتمال رؤيته للمغرب كتهديد رئيسي، بينما يركز اليساري مخاوفه على روسيا والولايات المتحدة.
وجدير بالذكر أن الغالبية العظمى من الإسبان لا ترى أن أمن بلادهم مهدد من أي دولة. إذ عبّر 60% عن هذا الرأي، وهي نسبة مستقرة منذ أكثر من أربعين عاماً في تاريخ إسبانيا. كما أن الفارق الإيديولوجي في هذا الشأن ما زال قائماً، حيث يبدي اليسار قلقاً أقل بكثير من اليمين بخصوص التهديدات المحتملة لأمن البلاد. هذه المعطيات تبقى نسبية، ولكن يجب أن تقرأ وتحلل في المغرب وإسبانيا في أفق العمل على الرأي العام الإسباني لتجاوز التصورات النمطية الموروثة عن الماضي وعن بعض الأحداث التي ارتبطت بسياقات معينة في الزمن والمكان.