20 يونيو 2026 / 01:38

بيت الصحافة

هل يكتب بيدرو سانشيز الآن الجزء الثاني من كتابه “دليل المقاومة”؟

مارس 30 - 3 يوليو 2025

لحبيب شباط*

“دليل المقاومة”، كتاب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، مليء بالإشارات إلى قدرته على تجاوز الصعوبات والعقبات السياسية منذ وصوله إلى زعامة الحزب الاشتراكي العمالي (PSOE) في عام 2014. قبل هذا التاريخ، كان سانشيز شخصية شبه مجهولة في إسبانيا، إلا أنه فاز بالانتخابات الداخلية للحزب ليصبح أول زعيم يُنتخب عبر التصويت المباشر من قواعد الحزب.

بعد عامين فقط، اضطر للاستقالة من زعامة الحزب بسبب رفضه دعم حكومة الحزب الشعبي اليميني، لكنه عاد بقوة إلى قيادة الحزب في 2017 بفضل دعم القواعد، محققاً بذلك واحداً من أبرز الإنجازات التي ذكرها في “دليل المقاومة”، حين انتصر على إرادة المؤسسات التقليدية داخل الحزب، بل وواجه بعض اطراف الدولة العميقة.

 

طموح سانشيز لم يتوقف، فبعد عام فقط، أطاح بحكومة اليمين بزعامة ماريانو راخوي، عندما نجح في تمرير اقتراح سحب الثقة إثر فضائح الفساد المالي التي هزت الحزب الشعبي. بهذا أصبح أول رئيس حكومة في تاريخ إسبانيا يصل إلى الحكم بهذه الطريقة و بحكومة إتلاف يسارية، مضيفاً فصلاً جديداً في كتاب “دليل المقاومة”.

 

طوال أكثر من عقد من قيادة الحزب، برهن سانشيز على مهارات عالية في إدارة الصراعات السياسية، مستخدماً استراتيجيات غالباً ما تعود عليه بالمكاسب. يؤكد لي داءما أحد القادة البارزين في الحزب أن ما يميز سانشيز هو قدرته على المضي حتى حافة الخطر، حيث يخشى خصومه مواجهته مخافة السقوط معه.

 

داخلياً، نجح سانشيز في تهدئة الأوضاع في كتالونيا، بل وفاز الحزب هناك بالانتخابات الجهوية، وتولى رئاسة الجهة أحد مقربيه ووزير الصحة الأسبق خلال جائحة كوفيد-19، سلفادور إييا. في إقليم الباسك، يلعب الاشتراكيون دوراً محورياً في الحكم، متحالفين مع الحزب الوطني الباسكي، ما ساهم في استقرار سياسي لم يكن ممكناً خلال عهد راخوي، الذي شهد استفتاء الانفصال في كتالونيا عام 2017.

 

في فترة حكمه، جعل سانشيز من محاربة الفساد وتعزيز الذاكرة الديمقراطية تحديات رئيسية، إلى جانب حل الأزمة الكتالونية. لا شك أن خروجه برفات الديكتاتور فرانكو من مقبرة الدولة عام 2019 كان حدثاً رمزياً بارزاً، رحب به اليسار واعتبره اليمين انتقاماً وفتحاً لجراح الحرب الأهلية. هذا الحدث التاريخي رفع من حدة و حجم معارضي سانشيز و هناك من يجزم أنها كانت بداية نهاية سانشيز.

 

اقتصادياً، تمر إسبانيا بمرحلة جيدة مقارنة بدول أوروبية أخرى. أما خارجياً، فقد غيّر سانشيز موقف إسبانيا من قضية الصحراء المغربية، من الحياد الضبابي إلى دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي، في خطوة استراتيجية أثارت انتقادات داخلية من أحزاب اليسار والمعارضة اليمينية الممثلة في الحزب الشعبي، وخارجية من الجزائر، التي سحبت سفيرها من مدريد احتجاجا على القرار الاسباني.

 

وفي خطوة أكثر جرأة، اعترفت حكومته بالدولة الفلسطينية، في مواجهة رفض إسرائيلي وأمريكي، ما جعله عرضة لهجمات اليمين المتطرف الذي يزداد نفوذه في أوروبا، متغذياً من خطاب ترامب المعادي للأجانب. كرد فعل، صادق البرلمان الاسباني على مشروع قانون لتسوية أوضاع مليون مهاجر غير نظامي خلال ثلاث سنوات المقبلة.

 

لكن عاصفة سياسية جديدة اندلعت يوم 12 يونيو الحالي، بعد تسريب تقرير للحرس المدني يورّط الكاتب التنظيمي للحزب سانتوس سيردان، وسلفه ابلاوس ومدير ديوانه كولدو في قضايا فساد و رشاوى تلقاوها من شركات كبرى اسبانيا مقابل صفقات عمومية. توقّع كثيرون أن تكون نهاية الزعيم الاشتراكي، لكن “الميت ما زال حياً”، كما يقول البعض، إذ يبدو أن سانشيز يتقن فن النهوض من الأزمات.

 

الأسئلة الكبرى تطرح الآن: هل كان سانشيز على علم ام لا بما يقوم به مقربوه؟ المؤكد أن مصداقيته تضررت بشكل كبير يصعب إصلاحه. الحزب يعاني من الإحباط، خاصة أن الاشتراكيين وصلوا للحكم بعد إسقاط حكومة راخوي الفاسدة، وها هم الآن يتورطون في فضائح رغم قلة حدتها مقارنة بفضاءح الحزب الشعبي لكنها كافية لتزعزع عرش سانشيز.

 

التحقيقات القضائية تتسارع، والشرطة قامت بتفتيش مقر الحزب المركزي في مدريد. التسجيلات الصوتية للفساد ملأت وسائل الإعلام، مما يزيد الضغط على الحكومة الائتلافية المدعومة من الأحزاب الكتلونية والباسكية، والتي لم تقدم ميزانية منذ عام 2019، وتسعى لعرض ميزانية 2025 في سبتمبر المقبل، في اختبار حاسم لبقائها.

 

في خضم هذه الأزمة، قرر سانشيز خوض المواجهة. بدلاً من الاستقالة أو الصمت، أطلق هجوماً سياسياً شرساً، ربما يمثل بداية كتابة الجزء الثاني من “دليل المقاومة”. هاجم الحزب الشعبي وحزب بوكس اليميني المتطرف، واتهم الاول بتأسيس “شرطة وطنية” لملاحقة خصوم سياسيين خلال فترة حكمهم، كما تحداهما بتقديم ملتمس رقابة إن كانت لديهما الشجاعة السياسية الكافية.

 

في دفاعه عن عما جاء في تقرير الشرطة القضائية، ألقى باللوم على شخصين فقط في الفضيحة الذين استغلوا ثقته غيهم، وقال إن الحزب الاشتراكي حزب نظيف ليس كالحزب الشعبي، الذي “بُني مقره المركزي من أموال الفساد”. أقر بأنه لم يأخذ اتهامات الصحافة بجدية في البداية بسبب “تكرار الأخبار الزائفة” في السابق.

 

استراتيجيته الآن ترتكز على كسب الوقت، مع التركيز على انتخابات 2027. أعلن عن مراجعة خارجية لحسابات الحزب، وتنظيم اجتماع لبرلمان الحزب لاختيار كاتب تنظيمي جديد في 5 يوليو، واستعداده للمثول أمام البرلمان في 9 يوليوز لمساءلته من طرف النواب حول هذه الأزمة التي تعصف بالحزب. كما كثف لقاءاته مع قيادات الحزب، خاصة رئيس جهة كتالونيا، الذي يعتبر أهم رأسمال يتوفر عليه الحزب و قد يكون الورقة الرابحة له في حالة تدهور الأوضاع لان لأحد يعلم مآل التحقيقات القضائية.

 

في نفس الوقت سانشيز يوجه رسائل إلى قيادات الحزب: الانتقاد يجب أن يكون داخلياً، فالوحدة ضرورية، والمعارضة العلنية بمثابة ذخيرة حية تخدم مصالح اليمين.

في خضم هذه الأزمة، تنفس سانشيز الصعداء و أحرز انتصاراً في الاتفاق مع الناتو على إنفاق دفاعي بنسبة 2.1% فقط من الناتج المحلي، وتفادي مطلب واشنطن برفعه إلى 5%. بذلك يكون استجاب لمطالب أحزاب اليسار التي ترفض الرفع من ميزانية الدفاع.

 

كذلك قرار الحكومة بفرض قيود على محاولة بنك BBVA الاستحواذ على بنك Sabadell الكتالوني، هو بمثابة رسالة إيجابية لحلفائه الكتالونيين. بالإضافة إلى مصادقة المحكمة الدستورية على قانون العفو العام الذي صادق عليه البرلمان الاسباني في السابق، في ضربة موجعة للمعارضة التي حاولت عرقلت تطبيقه و جعلته موضع انتقادات الحكومة. رسالة أخرى إيجابية اتجاه الحزب الكتلاني جونس بزعامة الهارب بودجمون الذي يعرقل المصادقة على الميزانية العامة .

احداث أخرى تساعد سانشيز كمواجهة حكومته مع القضاة و المدعين العامين، الرافضين لمشروع إصلاح نظام الولوج إلى القضاء. حيث تسعى الحكومة إلى تخفيض تكاليف الولوج ليتسنى لأبناء العائلات المعوزة دخول سلك القضاء .كما فجّر رئيس أساقفة إسبانيا جدلاً بعد لقائه زعيم حزب بوكس، ودعوته لانتخابات مبكرة، ما استدعى رداً حاداً من وزير العدل.

 

كما منح الرئيس السابق أزنار، باتهامه سانشيز بأنه قادر على أن يكون قد زور الانتخابات، الاشتراكيين فرصة لتغيير محور النقاش بعيداً عن الفضيحة المالية.

 

المستقبل السياسي لسانشيز غير واضح. الأزمة الحالية ليست كسابقاتها. دخول السجن للرجل الثالث في الحزب صفعة قوية للحزب الاشتراكي و الحكومة الإسبانية. هناك دعوات داخلية، خافتة لكنها تتزايد، للتفكير في بديل لسانشيز على راس الحكومة حتى انتخابات 2027. فهل يكمل الزعيم الاشتراكي كتابة الجزء الثاني من “دليل المقاومة”؟ أم أن هذه ستكون نهايته السياسية؟


خبير في الشان الاسباني و عضو الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني*

التصنيف : آراء اسبانيا سياسة