20 يونيو 2026 / 04:25

بيت الصحافة

قطار العلاقات المغربية-الإسبانية لن يتوقف

مارس 30 - 3 يوليو 2025

توفيق سليماني*

إذا كان يُقال في السابق إن صمود وسقوط الحكومة في إسبانيا مرتبط بالريح القادمة من الجنوب، ويُقصد بذلك المغرب، فإن المعادلة في السياق الحالي تغيّرت، بحيث إن الرياح الجنوبية تُعتبر مصدر صمود سانشيز، لكن الريح الداخلية تُعجِّل بسقوطه (استعمال كلمتي “الريح” و”الرياح” هنا مقصود). صمد سانشيز في معارك عدة ضد رصاصات المعارضة واليمين المتطرف، ولكن النيران الصديقة أنهكته.

 

لن أخوض في التفاصيل التي نشرتها في مقال تحليلي يوم أمس الأربعاء، تحت عنوان: “نهاية السير.. سانشيز ليس المشكل ولن يكون اليمين الحل”، والذي تحدثتُ فيه بالتفصيل عن الزلزال السياسي الذي يهز الجارة الشمالية، بعد إلقاء قنبلة ما يُسمى ب “قضية كولدو”، والتي سُمع دويُّها أكثر بعد الزج في السجن بأحد أبطالها، سانتوس ثيردان، اليد اليمنى لسانشيز وسكرتير منظمة الحزب الاشتراكي قبل أن يُقال قبل أيام.

 

كان المعتقل ثيردان أيضا مستشارًا لوزير التجهيز والنقل السابق في حكومة سانشيز، خوسي آبالوس، والذي كان بدوره اليد اليمنى لرئيس الحكومة وسكرتيرًا سابقًا لمنظمة الحزب الاشتراكي. تشابك كل شيء، والأكيد أن قطار سانشيز بلغ نهاية السير، ولكن قطار المغرب في الجارة الشمالية، وفي علاقته بالإسبان، يواصل السير، ولن يتأثر بنزول سانشيز، والصعود المحتمل لألبيرتو نونييث فاييخو، زعيم المعارضة ورئيس الحزب الشعبي، المرشح بقوة للوصول إلى قصر المونكلوا في حالة قرر سانشيز تسريع نهايته بالدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها.

 

يبدو أن كل التكتيكات (السياسة، والحب، والمراوغة، والدهاء، والخطاب) التي استعملها في السابق الرئيس المقاوم، لن تنفعه اليوم. اتّسع الخرق على الراقع، كما تقول العرب.

 

سقوط سانشيز لن يُغيِّر الاستراتيجية الإسبانية تجاه المغرب. لا تؤثر السياسة الداخلية الإسبانية كثيرًا في استراتيجية العمل الخارجي Acción Exterior، كما يُسميها العقل الاستراتيجي الإسباني، بحيث من يُفكّرون ويُصوغون النواميس يفضلون عبارة “العمل الخارجي” بدل “السياسة الخارجية” La política exterior. الأولى أوسع وأشمل من الثانية. هذه الأخيرة مرتبطة أكثر بتحركات وزارة الخارجية، بينما الأولى تأخذ بعين الاعتبار مصالح كل الفاعلين والأطراف المعنية بما يجري في الخارج. استراتيجية العمل الخارجي لا يضعها رئيس الحكومة، بل العقل الاستراتيجي الذي يُجسّده، في الواجهة، المعهد الملكي الإسباني Elcano. في هذا المعهد تجلس الأغلبية والمعارضة، واليمين واليسار، والدولة العميقة، والشركات الكبرى، والجيش، وغيرها من الحساسيات، من أجل صياغة التوجهات الكبرى للعمل الخارجي. تُعرض تقارير هذا المعهد على المؤسسات الحكومية والدستورية والجهوية.

 

لهذا، لا يمكن القول إن مصير العلاقات المغربية-الإسبانية المتميزة رهين بالمستقبل السياسي ل بيدرو سانشيز. ولا يمكن أن تتأثر هذه الشراكة الاستراتيجية في حالة خرج سانشيز أو عاد اليمين إلى الحكم. الجوهر ثابت، والمتحول هو الشكل. بمعنى، حتى لو وصل اليمين بزعامة الحزب الشعبي للحكم – وهذا هو التوجه – فإن دعم إسبانيا للحكم الذاتي سيستمر. وحتى لو دخل فوكس مستقبلًا شريكًا في الحكم، فإن السلطة ستحوله إلى كيان واقعي وبراغماتي. تجربة بوديموس، الحزب اليساري الراديكالي، وتشكيل حزب سومار Sumar، خير دليل على أن من يسبح في نهر الحكم ليس كمن ينظر من فوق الصخرة. فوكس حاليًا يعلّق من فوق الصخرة، وشطحات الحزب الشعبي PP موجهة للاستهلاك الداخلي، بالإضافة إلى ذلك، يشار إلى أنه في الشهور الأخيرة عقلن الحزب الشعبي سرديته اليومية تجاه المغرب.

 

هناك أسباب موضوعية آنية تفرض على من سيتولى تسيير الحكومة الإسبانية مستقبلا مواصلة السير في سكة واشنطن، برلين، مدريد، باريس، ولندن صوب الرباط. لن يُغامر الحزب الشعبي بالخروج من السكة، لأنه يدرك أن أي خطوة غير محسوبة قد تُعرِّض قطاره للانزياح. الحزب الشعبي، في حالة وصل إلى الحكم، سيرغب في إعادة الدفء المفقود إلى العلاقات الأمريكية-الإسبانية، والتقرب من ساكن البيت الأبيض، دونالد ترامب. لا يخفى أن واشنطن لا تنظر بعين الرضا إلى التقارب الحالي بين سانشيز والصين، وكذلك إلى مواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، كما أن رفض سانشيز رفع مساهمة مدريد في حلف الناتو زاد من حدة التوتر بين البلدين، مما جعل ترامب يصف إسبانيا بـ”المشكل”، ويتوعد سانشيز بدفع الثمن “مرتين”. هذا دون إغفال تأثير بعض الأصوات التي تُطالب بنقل القواعد العسكرية الأمريكية من إسبانيا إلى المغرب.

 

وحتى السياق الجيوسياسي يفرض على الدولة الإسبانية الحفاظ على علاقات متميزة مع المغرب في ظل ارتفاع التحديات القادمة من الجنوب، من قبيل التصدعات السياسية والاجتماعية في العديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وتزايد نشاط الخلايا الإرهابية والمنظمات الإجرامية في منطقة الساحل والصحراء، علاوة على الاعتداءات الإجرامية لجبهة البوليساريو بإطلاق مقذوفات تجاه مدينة السمارة المغربية، وهو ما يجعل البوليساريو مصدر تهديد أيضًا لجزر الكناري.

 

معطى آخر استراتيجي يهم الدولة الإسبانية يجب أخذه بعين الاعتبار. كان الملك الشرفي/السابق خوان كارلوس، سنة 1975، في عز الأزمة بين المملكتين، متيقنًا ومؤمنًا بعدم وجود أي إمكانية لإنشاء دويلة صحراوية مستقلة في الصحراء. الملك خوان كارلوس ظلّ دومًا متشبثًا بفكرة أن أي دُويلة هشة في الصحراء ستتحول إلى منصة/ساتيليت للجزائر ولروسيا قبالة جزر الكناري، وهو الشيء الذي لن يسمح به المغرب وإسبانيا. (كتاب “ملك الديمقراطية”، الصفحة 175، عام 2017، Galaxia Gutenberg). فالإسبان والغربيون لن يسمحوا أيضًا بتوسع وتمدد النفوذ الروسي صوب الواجهة الأطلسية، كما لن يسمحوا أيضًا بالحضور الإيراني في المنطقة عبر الجزائر.

 

وهي الخلاصة التي وصل إليها تقرير مفصلي للمعهد الملكي الإسباني Elcano، صادر في فبراير 2014. بشكل أدق، كانت سنة 2014 فارقة بخصوص تصور العقل الاستراتيجي الإسباني لقضية الصحراء، بحيث اكتملت له الصورة، وخطّ على الورق ما كان يُقال في الكواليس. وهي السنة نفسها التي ترأس فيها سانشيز الحزب الاشتراكي. لكنها مجرد صدفة هذه المرة، لأن استراتيجية العمل الخارجي أكبر من سانشيز، الذي يبقى مجرد منفذ لها.

 

هذا التقرير – تحت عنوان: “نحو تجديد استراتيجية السياسة الخارجية الإسبانية”، الذي نسقه الخبير إغناسيو مولينا، وبطلب ورعاية من الحكومة الإسبانية اليمينية حينها – نصح الدولة الإسبانية باتخاذ موقف استباقي يميل إلى دعم حكومة صحراوية مستقلة تحت السيادة المغربية، وهو اقتراح أقرب إلى الجهوية الموسعة بالمعنى الشامل. “يمكن لإسبانيا تبنّي موقف أكثر استباقية، عندما تكون الظروف مواتية، وطرح حل حكم ذاتي حقيقي وضمان تنفيذه، والذي من شأنه السماح بإرضاء المغرب وجبهة البوليساريو.”

 

التقرير استعمل مفهوم الحكم الذاتي بصيغة autogobierno وليس Plan de autonomía. الخلاصة التي كان قد تقدم بها المعهد الملكي الإسباني قبل 10 سنوات للحكومة والبرلمان الإسباني، واطّلع عليها الجميع، طُبخت على نار هادئة A fuego lento، حتى هيّئت الظروف المناسبة وفُعّلت في أبريل 2022. كان ل سانشيز جرأة تنزيل ما كانت تصبو إليه الدولة الإسبانية على أرض الواقع. كل من يعارض هذه الخطوة، شكلًا فقط، منذ 2022، كان يعلم واطلع على هذه التوصية. لكن المتتبع الحقيقي للشأن الإسباني يفهم أن استعمال المغرب في الحياة السياسية الإسبانية تحوّل إلى روتين يومي el pan de cada día.

استمرار سانشيز على رأس الحكومة الإسبانية يضمن سلاسة التواصل بين الأطراف والفاعلين الرسميين وغير الرسميين في البلدين، لكنه سيزيد من حدة التقاطب والتنابز والتراشق السياسي في الجارة الشمالية. بقاء سانشيز في الحكم يبقى السيناريو الأفضل، لكن ليس كل ما يرجى يدرك. المعطيات تقول إن سانشيز فاته القطار. لكن هذا لا يعني أن مصير العلاقات الثنائية المتميزة بين البلدين مرتبط بشخص سانشيز أو حزبه.

—————

مدير نشر Mares30 ومتخصص في العلاقات المغربية الإسبانية*

 

التصنيف : المغرب تحاليل