توفيق سليماني*
تنتهي موجة الحرارة الطبيعية في إسبانيا، يوم غدٍ الخميس، لكن الحرارة السياسية تشتد يومًا بعد يوم، خاصة بعد المشهد القاسي أخلاقيًا وسياسيًا للمتهم سانتوس ثيردان، السكرتير العام لمنظمة الحزب الاشتراكي والرجل الثالث في الحزب إلى وقت قريب، وهو يدخل أسوار سجن “سوتو ديل ريال” بالعاصمة مدريد. مشهد دخول سانتوس، اليد اليمنى لبيدرو سانتشيز وأحد صانعي أفراح الرئيس قبل أن يتحول إلى كابوس، يُسرّع التفاف حبل المشنقة السياسية حول عنق رئيس الحكومة الإسبانية وزعيم الحزب الاشتراكي.

دون الدخول في تفاصيل التحقيقات الأمنية والقضائية، يقول ملف من 22 صفحة للمحكمة العليا الإسبانية إن “سانتوس” يواجه تهم استغلال النفوذ، والرشوة، والفساد، وتشكيل منظمة إجرامية، وهي تهم كافية وحدها لإغراق سانتوس ومعه الحكومة الإسبانية. ومما زاد الطين بلة بالنسبة لسانتشيز، إشارة التقرير إلى كون سانتوس كان الشخص المكلف بتسلُّم الهدايا الاقتصادية والعلاوات و”التدويرة” (mordidas)، في إطار ما يسميه المغاربة “دهن السير يسير”.
ظهرت “قضية كولدو”، والتي تحمل اسم غارسيا كولدو، قبل عامين في المحكمة الوطنية. كانت تُعرف حينها بـ”عملية ديلورم”، وكانت تدور حول شراء وبيع الكمامات، وكان التركيز على شخصين: كولدو غارسيا وفيكتور دي ألداما. لكن آخر تقرير قدّمه الحرس المدني إلى المحكمة العليا يشير إلى سيناريو بطليه خوسيه لويس أبالوس وسانتوس ثيردان، المتهمَين بتلقي عمولات مقابل التلاعب في عقود تنفيذ أعمال الطرق والسكك الحديدية.
مبلّل وزاده المطر تبليلاً (llueve sobre mojado)، كما يقول الإسبان أنفسهم، هذا هو حال سانتشيز، الذي تنفّس الصعداء بعد حسم المواجهة مع ترامب في “الناتو” لصالحه، حيث تحوّل إلى نموذج في أوروبا.
سانتشيز رفض أن يرفع مساهمة إسبانيا في حلف شمال الأطلسي إلى 5 في المائة، وتشبث بنسبة 2.1 من الناتج الداخلي الخام للبلد. كما أن تنظيم مؤتمر الأمم المتحدة من أجل تمويل التنمية في إشبيلية واستقبال العديد من الزعماء والرؤساء والشخصيات، خفّف الحمل عن سانتشيز، لكن دوام الحال من المحال، واليوم خمر وغدًا أمر، وعلى سانتشيز أن يجيب عن تساؤلات الإسبان، وهي تساؤلات مشروعة.
وصدق الكاتب والصحافي البريطاني، مايكل ريد، في كتابه المعنون “إسبانيا”، عندما خلص إلى أنه: “في كثير من النواحي، ولا يزال الأمر كذلك حتى اليوم، قد أظهر الإسبان صبرًا استثنائيًا على مدار العقد الماضي. ولكن، ما لم تُلبَّ مطالبهم بالتغيير، قد يصل الأمر إلى لحظة ينفد فيها كل ذلك الصبر في النهاية” (ص. 382). ويبدو أن صبر الإسبان على سانتشيز أوشك على النفاد.
السياسة الخارجية وحدها لا تكفي، إذ يجب أن تكون مقرونة بسياسة داخلية أساسها الشفافية والنزاهة والفعل. نزاهة سانتشيز وحدها لا تكفي، خاصة إذا كان جزء من فريق العمل وذوي القربى تحوم حولهم الشبهات. وكأن سانتشيز يردد اليوم، من عاصمة الأندلس إشبيلية: “وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند”، كما قال الشاعر طرفة بن العبد تعبيرًا عن غدر الأهل والمقرّبين.
لا جدال في أن سانتشيز لديه “سبعة أرواح”، كما كتبتُ في وقت سابق، إذ كلما أجمع القوم على نهايته، خرج من كل ورطة سالمًا غانمًا، سواء عبر رسالة للجماهير الشعبية، أو خطاب، أو ندوة صحافية، أو مراوغة أو تكتيك سياسي، كما فعل ما بين ماي ويوليوز 2023، عندما عاد من بعيد واحتل المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية، وتقدّم على الفائز من الحزب الشعبي اليميني، ألبرتو نونيوث فاييخو، في مضمار تشكيل الحكومة.
كانت عودة جميلة وغير متوقعة، شبيهة إلى حد بعيد بتلك العودة الخالدة سنة 2016 لزعامة الحزب الاشتراكي، عبر القواعد، بعد أن تمرّد بارونات الحزب عليه سنة 2015، وأخرجوه من مقر الحزب في شارع فيراث بمدريد، فعاد إليه على متن سيارة بيجو بعد أن طاف وجال شرق وجنوب وشمال وغرب إسبانيا. وهو التكتيك الذي سمح له، في يونيو 2018، بأن يطرد زعيم الحزب الشعبي حينها، ماريانو راخوي، ابن غالسيا وأحد معلّمي فاييخو، من قصر المونكلوا، الذي دخله فاتحًا، وأدخل معه حزب بوديموس المعارض للنظام الملكي وللقواعد السياسية القائمة.
في البداية، فشل سانتشيز في ترويض بابلو إغليسياس، الأب الروحي لبوديموس وزعيمه حينها (2018 و2019)، لكن سرعان ما استطاع إدراج إغليسياس في اللعبة سنة 2020، ومع ذلك لم يدم “شهر العسل”، واستطاع سانتشيز إخراج إغليسياس من الحكومة والحياة السياسية، بعد أن ساهم في الظل في تقوية يولاندا دياث، زعيمة سومار، وريثة بوديموس في الحكومة.
من جاء بهم سانتشيز إلى الحكم وعبّد لهم الطريق، بدأوا يأخذون مسافة منه ومن الحزب. الوزير عن حزب سومار، إرنيست أورتاسون، أكّد اليوم الأربعاء أن الاجتماع بين شركاء الحكومة، الذي تمّت الدعوة إليه بسبب فضيحة “تدويرات” سانتوس، “لم يُفضِ إلى أيّ تقدم”. وقال: “لدينا انطباع بأن الحزب الاشتراكي غير واعٍ بخطورة الوضعية التي تسببت فيها قضية الفساد المحتمل لسانتوس ثيردان”.
وزير العدل والرئاسة عن الحزب الاشتراكي نفسه، فيليكس بولانيوس، وصف اليوم الأزمة التي تسبب فيها سانتوس، وخوسي لويس أبالوس، وزير التجهيز السابق في حكومة سانتشيز ويده اليمنى وسكرتير منظمة الحزب سابقًا، وغارسيا كولدو، المستشار السابق للوزير أبالوس، بأنها غير مقبولة.
وقبل أيام، كانت مجموعة من المثقفين والصحافيين ووزراء سابقين من الحزب الاشتراكي قد وقّعوا نداءً يطالبون فيه سانتشيز بالاستقالة والدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها. كما أن “الحرس القديم” في الحزب الاشتراكي يطالب باستقالة سانتشيز، في حين أن رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق، خوسي لويس رودريغو ثاباتيرو، هو الوحيد الذي لا يزال يدافع عنه.
رئيس الحكومة الإسبانية يوجد في موقف حرج وضعف غير مسبوق، بحيث لم يستطع تمرير قانون المالية في البرلمان، كما أن الكونغرس رفض المصادقة على اتفاقية الصداقة والتعاون بين إسبانيا وفرنسا، رغم أن هذه الأخيرة صوتت عليها.
سانتشيز لم يستطع كذلك حل البلوكاج والصراعات الداخلية داخل القضاء الإسباني، كما أن قانون العفو العام، الذي صادقت عليه الحكومة الإسبانية ودعمته المحكمة الدستورية، ليست له أي انعكاسات على أرض الواقع. المشهد السياسي الإسباني تطغى عليه الانقسامات والتراشق والفساد.
وقد رصد الكاتب البريطاني مايكل ريد ذلك بقوله: “المشكلة الرئيسية التي تواجه البلاد حاليًا هي أن السياسيين لا يستطيعون التوصل حتى إلى اتفاقات بسيطة بين الكتل التي تتصارع بشدة” (صفحة 375). هذا الصراع لا يقتصر على المواجهة بين اليمين واليسار، بل يشمل أيضًا المواجهة بين اليمين المتطرف واليمين الوسطي من جهة، وبين الاشتراكيين واليسار الراديكالي من جهة أخرى، حتى أصبح المشهد أقرب إلى ملوك الطوائف.
حكومة سانتشيز حققت نجاحات كبيرة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في قطاعات السياحة، والشغل، والاستثمار، والخدمات، والصحة، والسكن. لكن، إذا كان السمك يموت من فمه، فإن سياسة وأخطاء ذوي القربى هزمت سانتشيز، حتى أصبح خروجه من قصر المونكلوا أقرب إلى الواقع السياسي الحالي من بقائه في الحكم.
في رأيي المتواضع، قطار بيدرو سانتشيز وصل إلى نهاية السير، لكن “مشكلة إسبانيا” ليست في بيدرو، ولن يكون فاييخو “الحل”.
وأختم باقتباس من كتاب “من أجل إسبانيا أفضل”، Una España mejor، لرئيس الحكومة الإسبانية السابق، ماريانو راخوي، الذي شخّص العطب الإسباني قائلًا: “المشكلة الرئيسية في السياسة، سواء في إسبانيا أو خارجها، هي فقدان السمعة“.
—————————————
مدير نشر Mares30 ومتخصص في العلاقات المغربية الإسبانية والأمريكولاتينية*