يقول المثل الإسباني: “كثرة الترداد تكسر الجرّة”. وهذا ما ينطبق اليوم على بعض جماعات الضغط واللوبيات الزراعية في أوروبا، والتي لا تكل من استغلال قضية الصحراء المغربية لتحقيق مصالح فئوية ضيقة، دون حجة قانونية أو دليل واقعي.
فقد صعّد ممثلو كل من FEPEX وCOEXPHAL وEUCOFEL هذا الأسبوع من ضغوطهم في بروكسيل، في محاولة لربط قضية الصحراء المغربية بالنمو المشروع والمستمر للصادرات الفلاحية المغربية، وخاصة الطماطم.
“اجتمع ممثلو فيبكس، وكوإكْسفال، والجمعية الأوروبية للفواكه والخضر EUCOFEL هذا الأسبوع مع عدد من نواب البرلمان الأوروبي، من مختلف التوجهات السياسية (المجموعة الشعبية، الاشتراكيون، أوروبا المتجددة، اليسار، والهوية والديمقراطية)، لنقل ما يعتبرونه “أهمية تطبيق جيد وكامل لحُكمَي محكمة العدل الأوروبية الصادرين في 4 أكتوبر 2024، بخصوص الصحراء، إضافة إلى التطبيق الفعّال لاتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، لضمان بقاء قطاع الطماطم الإسباني، الذي تراجعت إنتاجيته بنسبة 31٪ في العقد الأخير، مقابل ارتفاع واردات الطماطم المغربية بنسبة 269٪”، بحسب ما جاء في بيان صادر عن FEPEX.
التهويل بدل الاعتراف بالواقع
في لقاءاتهم مع البرلمانيين الأوروبيين، حاولت هذه الهيئات تصوير تطور المبادلات الزراعية بين المغرب والاتحاد الأوروبي كتهديد مباشر للإنتاج الأوروبي، وبالأخص الإسباني، متجاهلين الإطار القانوني لاتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ومتغاضين عن الحق السيادي للمملكة في تطوير كافة أقاليمها، بما في ذلك الأقاليم الجنوبية.
الصحراء المغربية: نموذج ناجح للتنمية وليس مشكلة
استطاع المغرب تحويل أقاليمه الجنوبية إلى قطب تنموي رائد ومستدام، عبر سياسة استثمارية قائمة على تحديث الفلاحة والصناعة واحترام البيئة، ما انعكس بشكل إيجابي على الساكنة المحلية وعلى النسيج الاقتصادي الوطني.
ما تشهده هذه الأقاليم من تطور فلاحي وصناعي ليس استثناءً، بل هو جزء لا يتجزأ من السياسات الوطنية المغربية في مجال التنمية، ويتماشى تمامًا مع التزامات المملكة في إطار الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها قواعد منظمة التجارة العالمية. ومع ذلك، يصر البعض على الاصطياد في المياه العكرة، بدل مواجهة اختلالاتهم البنيوية.
محاولات التشكيك في مشروعية المنتجات القادمة من الأقاليم الجنوبية، أو إخضاعها لمعاملات تمييزية عبر تأويلات مسيسة لأحكام قضائية أوروبية، ليست سوى مظاهر لحماية تجارية مقنعة، تخشى من التنافس النزيه ولا تقوى على مجاراته.
الشراكة الحقيقية تُبنى على الاحترام لا على الابتزاز
تراجع إنتاج الطماطم في إسبانيا خلال السنوات الماضية له أسبابه الموضوعية: ارتفاع تكاليف الإنتاج، ضعف التجديد داخل القطاع، والتنافسية العالمية المتزايدة. إلقاء اللوم على المغرب، بدل مواجهة هذه التحديات، يُعدّ سلوكًا غير مسؤول ويُهدد مستقبل الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وبروكسيل، والتي تقوم على الثقة المتبادلة والاستقرار والرؤية المشتركة للتنمية.
لقد أثبت المغرب، مرة أخرى، أنه شريك موثوق يلتزم بفلاحة مستدامة وآمنة ومُوَجَّهة للسوق الدولية. كما أن صادراته، بما فيها القادمة من الأقاليم الجنوبية، تُحترم فيها جميع الشروط الصحية، ومعايير الجودة والتتبع المفروضة من طرف الاتحاد الأوروبي.
أمام ضغوط اللوبيات: على أوروبا أن تتحلى بالاتساق والوضوح
من الواجب على المؤسسات الأوروبية أن تُقاوم ضغوط من يسعون لتحويل البرلمان الأوروبي إلى ساحة لتصفية حسابات سياسية مغلّفة بقضايا زراعية وتجارية. إن الأحكام المسيسة لمحكمة العدل الأوروبية، والتي لا تزال محل تأويل قانوني ومراجعة، لا يجب أن تُستخدم كذريعة لتعطيل المبادلات الشرعية أو المس بسيادة المغرب على أراضيه.
بل إن اللحظة تستدعي أكثر من أي وقت مضى تعزيز شراكة استراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل، والتعاون الصادق، والاعتراف بالدور المحوري الذي يلعبه المغرب في الأمن الغذائي، والاستقرار الإقليمي، والتكامل الإفريقي.