20 يونيو 2026 / 04:15

بيت الصحافة

ميغيل أنخيل موراتينوس لـMares30: إسبانيا والمغرب مدعوان للعب دور رئيسي في تشكل العالم الجديد، عالم القرن الحادي والعشرين

مارس 30 - 20 أبريل 2025

حاوره توفيق سليماني

ترجمة: د. محمد الشاربي

يتغير العالم بسرعة. تتسارع الأحداث بشكل رهيب، عكس ما كانت تعيشه الإنسانية من قبل. اليوم، في غضون سنوات قليلة فقط، يمكن أن تحدث العديد من التغيرات والتقلبات. 

إننا نشهد تغيرا جديدا في النظام العالمي. إن النظام العالمي القديم بدأ ينهار وهناك نظام آخر جديد يلوح في الأفق. فالحروب والأزمات والتوترات والاضطرابات والشكوك والغموض والعنف، من بين أمور أخرى، أصبحت من الأشياء التي نسمعها ونشاهدها كل يوم. هناك “تطبيع” مع الحروب والعنف. إن صعود التيار اليميني المتطرف يهدد التعايش العالمي. والتغير المناخي يغذي الخوف. وفي خضم هذا الوضع المثير للقلق، هناك حاجة ماسة للانصات وللقراءة المتأنية لأصحاب العقول المفكرة. إن صوت وكلمة رجال السلام أمرا مطلوبا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

يعد الدبلوماسي الإسباني ميغيل أنخيل موراتينوس، نائب الأمين العام للأمم المتحدة والممثل السامي لمنظمة الأمم المتحدة لتحالف الحضارات، مثالا حيا للدبلوماسي الذي لا يفصل العقل عن القلب. يشعر ويفكر في نفس الوقت. في هذا الحوار الحصري مع الجريدة المغربية الناطقة بالإسبانية Mares30، يتناول ويحلل العالم الذي يتم تشكله الآن، وانتشار “اليمين” في العالم، وأيضا وضعية العلاقات بين المغرب وإسبانيا.

كما يشرح أيضا دور تحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة في هذا العالم الحالي المضطرب. بالإضافة إلى دور المغرب الفعّال في ضمان السلام والاستقرار والتفاهم في المنطقة والعالم.

في هذا الحوار أيضا يؤكد موراتينوس أن التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال يمثل فرصة كبيرة لتعزيز التعاون والتنسيق والتفاهم بين هذه البلدان الثلاثة، حيث يعتبر بمثابة حدث عظيم يوحد ويجمع شعوب المنطقة.

اشتغل ميغيل أنخيل موراتينوس سابقا كوزير للشؤون الخارجية والتعاون داخل الحكومة الإسبانية من 2004 إلى 2010. وقد دافع دائما عن العلاقات الجيدة والممتازة التي تربط المغرب وإسبانيا. فهو لا يكل ولا يمل أبدا من العمل على تعزيز الحوار بين الشعوب والتعددية الفعالة والتنمية المستدامة.

نص الحوار:

يقال إن الجغرافيا عادت من جديد وبدأت تفرض نفسها بالفعل، مما أدى إلى تواتر التغيرات الجيوسياسية في المنطقة (البحر الأبيض المتوسط ​​وشمال إفريقيا) وفي العالم بشكل عام. يبدو أن النظام العالمي القديم بدأ ينهار وأن نظاماً آخر جديدا يلوح في الأفق. ماذا يحدث في العالم؟

إن الدبلوماسية الحقيقية لابد أن تعتمد في الأساس على بُعدين: التاريخ والجغرافيا. يساعدنا التاريخ على فهم تطور العلاقات بين الدول، وخاصة بين الجيران، ومن المفيد دائمًا أخذ العبرة من الأحداث الماضية لتجنب ارتكاب الأخطاء في الحاضر وفي المستقبل. إلى جانب التاريخ، تعدُّ الجغرافيا إحدى الركائز الأساسية للجيوبوليتيك (الجيوسياسية).

واليوم لا أحد يشك في أن العالم أصبح متعدد الأقطاب. ويتعين على مختلف الأقطاب والجهات الفاعلة والثقافات والحضارات أن تجد “طريقة عيش” معينة لضمان الحكامة الدولية المستقبلية.

في هذا العالم المتعدد الأقطاب يمكننا أن نلاحظ تشكل المجتمع الدولي في مساحات تكاملية مختلفة مثل فصوص البرتقال. ويوجد جزء مهم منها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتُوجهُها وتُديرُها الصين من الشمال إلى الجنوب، بما في ذلك جنوب شرق آسيا.

في أمريكا لدينا فص آخر يمتد من كندا إلى أمريكا اللاتينية، مروراً بالولايات المتحدة وأمريكا الوسطى. وفي أوروبا وإفريقيا، يمكننا أن نلاحظ فضاء جديدا يشكل القارة الإفريقية، المرتبطة بالقارة الأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط. سيكون بمثابة محور جديد حيث سيقع مركز الثقل في مضيق جبل طارق، أي في شبه الجزيرة الإيبيرية والمغرب.

ومن هنا تأتي أهمية تعزيز العلاقات الإسبانية-المغربية، وتعزيز محور جديد للتعاون بين هذين البلدين.

أدى عدم اليقين والقلق إلى الخوف. ويتجسد هذا الخوف في انتشار الحروب والتوترات والصراعات والتصويت لصالح اليمين المتطرف والشعبوية في العديد من البلدان. إن تحالف الحضارات أصبح ضرورة ملحة اليوم. كيف يمكن لتحالف الحضارات أن يساهم في نشر السلام في العالم وتعزيز الحوار والتعاون بين مختلف الأمم والأديان والمجتمعات في خضم الحرب في أوروبا (أوكرانيا) بين روسيا والغرب، وفي خضم العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني؟ 

كما قلت في السؤال الأول، أصبح العالم الآن متعدد الأقطاب، ويتسم أيضا بالتعقيد وعدم اليقين، ولا أحد يشكك في ذلك. كل هذه الأمور تزيد من صعوبة الاستجابة بشكل مناسب للتحديات المتعددة التي تواجه البشرية بسبب عوامل مختلفة. 

فالمجتمعات، للأسف، تلجأ إلى مواقف الخوف والقلق، ولا تكون قادرة دائماً على مواجهة المستقبل برغبة في التغيير والتكيف أو التأقلم.

وهذا الأمر بالضبط يعتبر بمثابة أرض خصبة تتغذى عليها الشعبوية، التي تنشر باستمرار رسائل الأمن والحماية والرفض والحنين إلى الماضي. وفي مواجهة هذا الوضع، فإن القادة السياسيين – الذين ينبغي عليهم أن يقوموا باستجابات نيرة لفائدة مجتمعات حائرة من خلال مشاريع مبتكرة وخلَّاقة – يقتصرون مع الأسف على اختيار حلول بسيطة وقصيرة المدى تركز فقط على توفير الأمن، ولكن ليس على توفير السلام الذي يضمن مستقبلا مستداما.

وفي معادلة «السلام مقابل الأمن» المعروفة، أظهرت لنا العقود الأخيرة الميول المطلق إلى الخيار العسكري والأمني، دون الرهان على البحث والاجتهاد لبناء السلام. وهذا الميول أو الخيار حاضر بشكل أساسي في كل من أزمة أوكرانيا وأزمة غزة. ولن يتم حل أي من هذه القضايا إلا بعد الرهان على العمل السياسي-الدبلوماسي. وكلَّما كان هناك تأخر أو تباطؤ في اختيار هذا الأمر الأخير، كلما زاد حجم الدمار وأصبح بناء السلام أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق، تعمل منظمة تحالف الحضارات لتصبح أفضل منصة قادرة على تعزيز الحوار بين مختلف الأطراف المتنازعة حاليًا والتي رفضت – في الوقت الحالي – الاجتماع والحوار لإيجاد حلول إيجابية. وتتيح منظمة تحالف الحضارات إنشاء جسور وفضاءات للنقاش لتغيير المفاهيم المستقطبة على مستوى مختلف الحكومات والمجتمع المدني والزعماء الدينيين والثقافات والقطاع الخاص ووسائل الإعلام. باختصار، نحن نبحث عن نقاط التوافق والإجماع لمحاولة منع العالم، كما يقول ألبير كامو، من الانهيار.

في نوفمبر 2022، استضافت مدينة فاس المنتدى العالمي التاسع لتحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة تحت شعار “نحو تحالف من أجل السلام: لنتعايش جميعا كإنسانية واحدة”. بعد مرور عامين تقريبا على تنظيم هذا المنتدى، ما هو الدور الذي لعبته تلك القمة، والمغرب أيضا، في تعزيز الحوار والسلام والتفاهم بين الشعوب؟

لقد شكل منتدى فاس علامة فارقة في التاريخ الحديث لتحالف الحضارات. رسالة صاحب الجلالة الملك محمد السادس بهذه المناسبة أوضحت المسار الذي يجب أن يتبعه التحالف حيث تم الشروع في تطبيقه منذ المنتدى العالمي التاسع. وهذا المسار هو طريق التحالف الذي يسير عليه من أجل السلام، حيث الاحترام المتبادل مطلوب بين جميع الأطراف السياسية والثقافية والدينية في العالم، بالإضافة إلى الالتزام الجماعي من أجل الاشتغال على سياسات منع وحل الصراعات. يعتبر نموذج التعايش الذي يطبقه المغرب تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمثابة دليل ملهم للمضي قدمًا في هذه المهمة.

خلال المنتدى الأخير لتحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة (UNAOC) المنعقد بفاس، تم الاتفاق على تنظيم النسخة العاشرة من المنتدى خلال شهر نوفمبر المقبل في البرتغال. ما هي رسائل القمة المقبلة إلى العالم؟

من المقرر أن يعقد المنتدى العاشر في مدينة كاسكايس (البرتغال) خلال شهر نوفمبر من هذا العام، وسيعرف تصميم خطة عمل جديدة للتحالف تسعى إلى إدراج مجموعة من السياسات تخص البشرية جمعاء. 

لا يتعلق الأمر بالبحث على استجابة مشتركة بين العالم الغربي والعالم العربي-الإسلامي، كما كان الحال في بداية منظمة تحالف الحضارات، بل يتعلق الأمر بجعل جميع الحضارات والثقافات تشارك في هذه التجربة الإنسانية الجديدة التي يمكنها أن تقودنا إلى إنسانية واحدة تعيش في سلام وازدهار.

هل أصبحت كرة القدم آلية جد فعَّالة لبناء الجسور وتعزيز الحوار بين المغرب وإسبانيا والبرتغال بشكل خاص، وبين باقي الشعوب بشكل عام؟

نعم، إن الإعلان عن تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030 من طرف دولتين من شبه الجزيرة الإيبيرية والمغرب هو خبر ممتاز. في هذه الحالة، الرياضة تفوقت على السياسة، رغم أنه لا يمكن لأحد أن يتجاهل أن القرار كان سياسيا. 

وستكون هذه هي المرة الأولى التي تقرر فيها ثلاث دول (التي ستشكل، كما أشرت سابقًا، مركز ثقل العلاقات المستقبلية بين القارتين الأوروبية والإفريقية) تولي مسؤولية تنظيم حدث يعد اليوم الأكثر مشاهدة ومتابعة من طرف المواطنين في جميع أنحاء العالم.

ولذلك، فإن هذه البلدان، المغرب وإسبانيا والبرتغال، ستحدد الاتجاه الرياضي الجديد، كما سيتم تحديد في نفس الوقت التزام هذه البلدان الثلاثة، التي تنتمي إلى قارات وثقافات مختلفة، فيما يتعلق بالعمل من أجل الصداقة والتعاون.

هل العلاقات بين إسبانيا والمغرب اليوم في مأمن من التقلبات السياسية والقضايا الخلافية العالقة؟

يمكننا اليوم أن نحتفل بواحدة من أفضل اللحظات في تاريخ العلاقات الثنائية بين إسبانيا والمغرب. إن علاقات الجوار معقدة دائما، لأننا كثيرا ما نفسر الحدود على أنها فصل وتباعد، وليس على أنها اتحاد وتعاون. 

الآن، تعهد المغرب وإسبانيا – تحت قيادة زعمائهما السياسيين – بالتزام استراتيجي من أجل إنشاء علاقة صداقة وتعاون دائمة.

أرجو وأتمنى أن تستمر هذه العلاقة، لأن البلدين مدعوان للعب دور رئيسي في تشكل العالم الجديد، عالم القرن الحادي والعشرين.

التصنيف : اسبانيا ترجمات حوارات دولي