حنان شحيمي
في سياق الانفتاح الثقافي وتعزيز الحوار الأكاديمي بين الضفتين، احتضنت كلية اللغات والفنون والعلوم الإنسانية بسطات، يوم أول أمس الثلاثاء، ندوة دولية تحت عنوان: “كامويش، الشاعر الوطني للبرتغال: تمثيلات وتوقعات”.

وقد تميز هذا اللقاء بحضور الباحثة ماريا إيزابيل مارون كاباناس، أستاذة فقه اللغة بجامعة سانتياغو دي كومبوستيلا (إسبانيا)، التي قدّمت مداخلة محورية سلطت من خلالها الضوء على أحد أبرز أعلام الأدب البرتغالي، الشاعر لويس فاش دي كامويش (Luís Vaz de Camões)، من خلال قراءة معمقة لعمله الملحمي اللوسياد (Os Lusíadas).
نُظّمت الندوة بتنسيق من الباحثة في الدراسات الإسبانية، فاطمة لحسيني، وتأطير من الباحثة مريم بن منان، وبمشاركة فعالة من طلبة مسلك اللغات الإيبيرية، ومسلك التواصل والدبلوماسية الثقافية، ومسلك الدراسات الثقافية، الذين أثروا اللقاء بتفاعلهم ومداخلاتهم الغنية.

افتُتح اللقاء بكلمة ترحيبية ألقاها عبد الغاني الكون نيابةً عن العميد، عبد القادر سبيل، عبّر فيها عن عمق العلاقات المغربية-الإسبانية، وأكّد على أفق التعاون الأكاديمي الواعد بين الجامعات في ضفّتَي المتوسّط.
في مداخلتها، استعرضت مارون كاباناس المسار الحياتي والأدبي لكامويش، مبرزة السياقات السياسية والثقافية التي ساهمت في تشكيل رؤيته الشعرية، ومكانته الرمزية في المخيال الجمعي البرتغالي، بوصفه رمزًا للهوية الوطنية. وأشارت إلى أن العاشر من يونيو، المعروف بـ”يوم كامويش”، يُعد مناسبة وطنية للاحتفاء بالأدب، واللغة، والسلام، ويشكل لحظة توحّد البرتغاليين حول ذاكرتهم الثقافية، مذكرةً بأن معهد اللغة البرتغالية الذي يحمل اسمه يُعد تجليًا حيًّا لهذا الارتباط الرمزي العميق.

وأكدت المحاضِرة أن اللوسياد ليست مجرد ملحمة تسرد رحلة المستكشف فاسكو دا غاما، بل عمل أدبي غني بالرموز والدلالات التاريخية، يجسد رؤية كامويش لمجد الأمة البرتغالية. ومن أبرز هذه الرموز، شخصية آداماستور (Adamastor)، العملاق الذي يُجسّد مخاطر البحّارة البرتغاليين عند عبورهم رأس العواصف (رأس الرجاء الصالح لاحقًا). كما توقفت عند مشهد جزيرة الحب، حيث صوّر الشاعر فضاءً أسطوريًا مأهولًا بالحوريات، يعكس علاقة تناغمية بين الإنسان والطبيعة ضمن رؤية ميثولوجية لصورة الذات البرتغالية في ذلك العصر.
كما تطرقت الباحثة مارون إلى جوانب من الشعر الغنائي (Poesia lírica) لدى كامويش، مركّزة على تأثره بالشاعر الإيطالي بيتراركا، واعتماده بنية السوناتة في التعبير عن موضوعات الحب والزمن والمصير، بأسلوب وجداني عميق ورقيق.
ومن الجوانب المثيرة التي سلطت الضوء عليها، الغموض الذي يلفّ مكان دفن كامويش، إذ يُعتقد أن رفاته نُقلت إلى دير الجيرونيموش في لشبونة، إلا أن الأمر لا يزال موضع جدل، مما يُضفي على شخصيته بُعدًا أسطوريًا في الذاكرة البرتغالية.
وفي ختام مداخلتها، شددت ماريا إيزابيل مارون كاباناس على أهمية استحضار إرث كامويش كأحد ركائز الهوية الثقافية البرتغالية، مؤكدة أن تخليد ذكراه من خلال “يوم كامويش” وإنشاء معهد يحمل اسمه، يشكلان رمزين واضحين لهذا الارتباط بين الأدب والذاكرة الوطنية.
وقد اختُتمت الندوة بحوار تفاعلي غني، تخللته مداخلات واستفسارات من الطلبة والأساتذة، عبّروا من خلالها عن امتنانهم واهتمامهم العميق بالموضوع، مؤكدين أهمية مثل هذه المبادرات العلمية في إثراء تكوينهم الثقافي والمعرفي.