عبدالرحمان بلعياشي
(خاطرة مهداة إلى روحي أستاذين صديقين عزيزين غادرانا خلال شهر رمضان 1446، يتعلق الأمر بالسي الحسين الركالي، أحد المتخصصين القلائل في المسرح الإسباني والسي عبداللطيف ليمامي، أحد المتخصصين البارزين في أدب أمريكا اللاتينية. ينتمي الإثنان إلى العائلة الهسبانية المغربية الكبيرة. رحمهما الله)
لا أحد منا يريد أن يتخيل يوما ما نفسه نزيلا على الموت وبين أحضانها، علما أن كل واحد منا يعرف وبيقين مطلق ومؤكد أن ذلك اليوم قادم لا محالة، إن آجلا أم عاجلا. لكننا نقاوم أنفسنا ونسير ضد إرادة الطبيعة وقانونها، ونعوذ بالله من الشياطين عندما يستحوذ هذا التفكير المشمئز والمقزز على عقولنا وقلوبنا، بالخصوص عندما نفقد قريبا أو صديقا، أو بمجرد علمنا بوفاة ما في العمارة التي نقطنها أو في الشارع الذي نسكن فيه أو في الدرب الذي كبرنا فيه. الموت مع ذلك ليس بعيدا عنا، الموت يشكل الوجه الآخر لعملة الحياة. الموت هو حالة اللاحياة، الموت ينتظرنا عندما تتخلى عنا الحياة ولم تعد ترغب في وجودنا فيها والبقاء فيها، ليس لأننا لم نعد صالحين، بل لأن مدة إقامتنا في هذه الدنيا وفي هذه الحياة انتهت بشكل من الأشكال. الموت ينتظرنا عندما يتوقف جسمنا وجسدنا عن الحركة. بل الحياة نفسها ومنذ ولادتنا، تفترض الموت وفي أية لحظة، وقد تكون قبل لحظة الولادة نفسها إن خرجت روح الجنين وهو لا يزال في بطن أمه. والأعمار تبدأ من لحظة الخروج الأول من البطن، لحظة الخروج من ظلمات الباطن إلى نور الحياة.
الموت، هذه الكلمة المرعبة والمزلزلة والرهيبة بمجرد سماعها أو العلم بحدوثها. الكل يهابه، وكل الكلام ينتهي أمامه. شخصيته تمتص شخصيتنا وتجعلها حقيرة وغير ذات قيمة بدليل أن أول ردة فعل بني البشر أمامه، هو أن الإنسان ضعيف، ولا حول له ولا قوة، ضعيف حتى لو كان ذا نفوذ أو مال أو جاه، حيث لا شيء من هذا كله ينفعه في تفادي الموت والظفر بالتالي ببضع سنوات عمر إضافية. لا ثروته ولا جاهه ولا أصله ولا نسبه ولا حسبه تجدي أو تنفع عندما يدق ملك الموت، معلنا حلول الأجل الذي لا يؤخر. فيكون الإنسان أمام الواقع المؤلم إن عرف وتيقن أهله وذويه من وصول الأجل المحتوم. الموت الذي يجعل الجميع ينسى الفوارق والتفاوتات، ويسوي بين الجميع، أقوياء وضعفاء، فقراء ومساكين. الموت رهيب وخائن، خاصة في بغتته، يسرق النفوس على حين غرة وبدون سابق إعلام. سمته إذن المفاجأة والفجائية ولا يعلم بقدومه أبدا، من هذا المنظور فهو مفجع ومؤلم. يترك آثارا نفسية صعبة في النفوس وجروحا غائرة في الذوات. وتتجلى فظاعته في أشكال مختلفة من ردات فعل الإنسان عليه حسب المناطق والجهات والثقافات. طقوس حزينة حد العنف أحيانا، من جذب وفقد للوعي ونذوب في الأجساد وصراخ وعويل لا يطاق. إذ الموت إعلان عن فراق أبدي، فراق لا يحتمل اللقاء من جديد. سفر بدون تذكرة عودة. ريحة بدون جيئة. الرحلة الأخيرة التي لا تحتمل عودة ما في يوم ما. وتكون صعبة إذا لم تتم النظرة الأخيرة، نظرة الوداع الأخير. الموت المباغت تكون صدمته اقوى من الموت المنتظر جراء مرض مزمن أو حالة صحية متدهورة بالتدرج. الموت المنتظر يتم تقبله ولو عن مضض، رغما عن هول الفاجعة، لكنه منتظر في كل الحالات. الموت يترك فراغات في الحياة يصعب ملؤها بسهولة. وحده النسيان هو الكفيل بذلك، وهو بدوره، أي النسيان، متروك للزمن. قد يطول أو يقصر حسب كل حالة، وحسب قدرة تحمل المصابون بالجلل.
غير أن للموت مزايا في الآن نفسه، عندما يكون هو الخلاص الوحيد من المعاناة. عندما يستحيل التعافي ولا يرى للشفاء أملا أفقا، يكون إذاك الموت هو المنتظر والمرتقب. عندما تطول مدة العناية والرعاية، ويبدأ اليأس يدب في نفوس الأهل والمريض على حد سواء، يكون الموت مأمولا مرغوبا فيه، ولو أن لا أحد يجرؤ على التفوه به. لكن ذلك يرى في الأدعية التي يرددها الجميع من قبيل: “الله يكون بيه، الله يتولاه، الله يردو للجهة المريحة، الله يديه أو يدينا في الضوء…”. هي كلها عبارات تلطيف، يقصد بها تعجيل الرحيل والمقام لتخفيف الآلام والأوجاع. اختصارا للمعاناة واليأس. اختصار يؤدي إلى الطمأنينة والراحة والخلاص رغم أوجاع الفراق. كثيرا ما نعتبر الإنسان الحي الذي يوجد في هذه الحالات إنسانا ميتا مع وقف التنفيذ، ميتا ينتظر خروج الروح من جسد لم يعد يتحملها ولم يعد يرغب في الإستمرار في الحياة، لأنها بكل بساطة انتهت ولا أمل في عودتها.
فبين الحياة والموت لا توجد مسافة، ولا يوجد بينهما فراغ. الحياة امتلاء للفراغ والموت فراغ لامتلاء. غير أن الإنتقال من الحياة إلى الموت قد يستغرق زمنا لا يقاس بالضرورة بالزمن المادي أو الزمن الإنساني، بل بالزمن الميتافيزيقي أو الزمن النفسي. يختلف مداه من شخص لآخر أو من حالة لأخرى، تبعا لتموقع الأشخاص داخل أو خارج هذا الزمن. الموت تمرد لا إرادي ضد الحياة، تمرد يستهدف الحياة ويتخلص منها بأية طريقة كانت، لذا فهو تمرد عنيف وعنيد لأنه ينتهي بالإنتصار، وينتشي به، بل لا يقبل بغير النصر والتفوق. الحياة بدورها لا تستسلم بسهولة، لذا فهي تدفع بأقصى ما تملك من الوسائل لتأخير موعد حلول الموت. فتراها تتفنن في خلق حيل أو بالأحرى اختلاق وافتعال مراوغات تبعد في الزمن وصول الموت، تتفنن في اختراع طرق جديدة لتمديد مدة ومدى الحياة، بالرياضة والرشاقة والنظام الغذائي والحركات الرياضية والتدريب والكتابة، والتطبيب، أو بالكتابة والبوح، خاصة كتابة المذكرات، وغيرها.
الحياة والموت كلاهما يتفرد بشخصية متميزة ومهابة فريدة. يتشابهان في طقوس البداية والنهاية. طقوس النجاة من ظلمات الباطن، بطن الأم، وطقوس الفناء في ظلمات الباطن، باطن الأرض. كلاهما محفوف بألغاز وأسرار وأساطير، تفسح المجال لممارسات توحي بأن كلتا اللحظتين مفصليتين، إذ أنهما لا تقبلان أبدا بالعودة إلى الوراء. لا يمكن العودة إلى بطن الأم، ولا يمكن أيضا الخروج من ظلمات القبور. لكن ما بين اللحظتين مسار، يطول أو يقصر في الزمن أو في نفسية صاحبه، حسب كل حالة، والتي تخضع بدورها لظروف خاصة وعامة، هي من تحدد طبيعة المسار الذي على كل واحد أن يقطعه. لكن هذا المسار يتخذ عموما منحى تصاعديا في بدايته، ويجر معه آمالا وأحلاما وأمنيات وهموما مرتبطة بمتطلبات الحياة نفسها. ولا بد لهذا المنحى التصاعدي من أن يبدأ في وقت من الأوقات في الإنحناء، بقوة قانون الطبيعة والحياة نفسها. يكون ذلك عندما يبلغ المنحى التصاعدي ذروته. يبدأ المنحى التنازلي عندما تظهر بعض العلامات والإشارات، يبدأ عندما ينتابنا إحساس بأن نظرتنا للحياة لم تعد كما في السابق، حيث في السابق كنا نسعى إلى تحقيق الحياة في مادياتها وملذاتها التي لا تنتهي والتي كانت تستهوينا في كل لحظة وحين. كنا نجري وراء تحقيقها بكل الوسائل والإمكانات المتاحة أو التي نختلقها. المنحى التنازلي يبدأ عندما نحس في بواطن ذواتنا أن منظورنا للأمور قد تبدل، ومعها بالطبع الأولويات. عندها تصبح لبعض الجزئيات التي كنا نهملها أولم تكن تحظى في السابق ببعض اهتمامنا، أصبحت تتصدر في هذه المرحلة الجديدة أولوياتنا. ونترك جانبا ما كان في السابق يشكل أولوية الأولويات. عندما نحس من دواخلنا بهذا التغيير في إعادة ترتيب نظرنتا للأمور والحياة، فاعلم أن المنحى التناقصي قد بدأ، ولا يجب أن يكون مصدر قلق، لأنه يدخل ضمن مجريات الأمور وتطور الأشياء، يدخل ضمن سنة الحياة وقانون الطبيعة. إذ لا شيء يدوم للأبد. الكل ماض إلى زوال. المنحى التنازلي يكون وقعه أشد وأقوى، ونكون نحن أكثر وعيا به من المنحى التصاعدي. في البداية تمر السنون والأحداث دون أن نكترث إليها لأن أمامنا العمر كله، أو هكذا يعتقد أغلبنا. لكن في المنحى التنازلي، يكون ثقل الزمن علينا أكبر، لأننا نحس أن الهامش قد تقلص والمسافة قد قصرت، وتقربنا كل مرة من الأفق الذي كان في المرحلة الأولى يبتعد كلما تقدمنا نحوه. فيكون صراعنا ومعركتنا في المرحلة الثانية هذه، ضد هذا الزمن نفسه الذي نحس بأن خطواته أضحت سريعة، وأصبح معها الهم الأكبر هو تدبير أمور الصحة، في جسدها وجسمها وفي روحها أيضا.
تدبير يقتضي ما يقتضيه من رباطة الجأش والحكمة والتبصر ومن توفير للمجهود البدني والنفسي، تحسبا لما يحمله التقدم في السن من مفاجآت قد لا تكون في الحسبان. تدبير النقصان والخصاص. تدبير النذرة. تدبير الطاقة والجهد. تدبير التفكير. تدبير الهوس والتوجس. تدبير الخوف والهم والغم والوسواس. تدبير الشك. بحثا عن الطمأنينة والأمان. بحثا عن السلم والسكينة والهدوء. بحثا عن لحظة الجلوس مع الذات والانفراد بها. بحثا عن المصالحة والتصالح مع الذات.
أستاذ جامعي وكاتب رأي