20 يونيو 2026 / 06:32

بيت الصحافة

في حضرة القلم

مارس 30 - 27 مارس 2025

بقلم عبدالرحمان بلعياشي

(كاتب وباحث في الدراسات الإسبانية)

وأنا بصدد كتابة هذه السطور، أجدني أقع تحت تأثير قلمي، بل وأقبع تحت رحمته. ووجدتني أفكر في السلطة المطلقة التي يتمتع بها القلم، هذه الأداة التي انتقلت مع تقدم الزمن إلى أزرار الحواسيب والهواتف النقالة واللوحات الإلكترونية. لكن القلم هو تاريخ وتراث إنساني قبل كل شيء. ساهم ولا يزال في إنتاج المعرفة وتوارثها، ونقلها، تدوينا وتأليفا وترجمة. القلم له هبته وشخصيته، رافق الإنسان منذ القدم وواكب أطوار حياته، واقتفى أثره، ودوَّن مسيره، وخلَّد إنجازاته مثلما خلَّد إخفاقاته. ساهم في صياغة قرارات خطيرة وعميقة وجذرية، غيرت مجرى الأحداث ومصائر الإنسان وتاريخ الكون برمته. 

والقلم كان في السابق ولايزال في الحاضر، رغم تنوع تجلياته، الوسيلة الأهم للإفصاح عما يفكر فيه بنو البشر ويشغل بالهم ويستحوذ على عقولهم. كان دوره حاسما في إعطاء الشكل المادي، من خلال العلامة اللغوية،  لكل ما يمكن أن يخطر على بال الإنسان ويخترقه من أفكار وتوجسات وهموم وهواجس وكوابيس وانتصارات وانكسارات وهزائم وآمال وأحلام وأمنيات وتمنيات. فكان، بما يدوّنه، دليلا على وجود الإنسان نفسه. إذ لولا القلم ما كنّا لنتعرف على ما كانت عليه حياة هذا الإنسان في الماضي، ما كنّا لنطلع على  طرق وأساليب عيشه وأنماط تفكيره وطبيعة التحديات التي كان عليه أن يواجهها ليبقى في حلبة الحياة. كان القلم ملازما له كالظل. فكان منذ ذلك الحين يمارس على الإنسان سلطته ويعلن عن حضوره القوي في حياته. وكان بذلك يملي عليه فقط ما كان يجب أن يكتب أو يدوّن أو يفصح عنه للعلن. 

غير أن القلم كان أيضا يعكس ما كان يشغل بال القدامى والسلف، وكيف كانوا يعيشون ويتعايشون ويقضون أوقاتهم، وكيف كانوا يتدبرون أمورهم فيما بينهم. وكان هذا القلم الوسيلة المثلى للفصح والكشف عن عبقرية الإنسان الفنية والإبداعية. وغير بعيد، يكفي أن يعود كل واحد منا إلى بدايات استعماله للقلم وتعامله معه. هنا تعود بي الذاكرة إلى الجامع أو لْجما (بتسكين اللام بالأمازيغية)، حيث  البداية، بداية مرحلة حاسمة، مرحلة القطع مع الجهل والأمية. في الحقيقة كنّا محظوظين بالكتاب او لجما، لأنه وفر علينا الكثير. فيه تعلمت الحروف الأبجدية وحفظتها عن ظهر قلب وتعلمت كتابتها، وتخيلتها وقتئذ على أنها رموز ورسوم، كل رمز يحيل على صوت. وتعلمتها وهي حروف متناثرة، كما تعلمتها مجتمعة كما لو كانت كلمات لها معنى ودلالة: 

أبت، ثجح، خدذ، رزس، شصض، 

طظع، غفق، كلم، نهوي.

كنت كباقي جميع الأطفال في سني، أكتبها بواسطة لْقْلْمْ (بتسكين جميع الحروف بالأمازيغية)، وكنا نحن من نصنعه من شريحة قصب على شكل ريشة مسطحة، وحاد في مقدمته. وكنا نغطسه في دواة زجاجية مملوءة بالصمغ، الذي كنا نعده بالطريقة التقليدية المعروفة بين مرتادي الكتاتيب القرآنية في كل الربوع. نضع كمية من الصوف المحلي في إناء طيني مقعر، وهو في العموم الجزء السفلي من جرة الماء، ونضيف عليه قدرا من الماء ونثبته وسط إناء طيني بحجرة متوسطة الحجم. يوضع القدر على نار هادئة ويترك فوقها إلى أن يتماسك الصوف مع الماء، ويأخذ الكثافة الضرورية وتشبه كثافة القطران. بعد أن يبرد السائل المحصل عليه بعد هذه العملية الكيميائية، يقوم كل أمحضار، بملاء دواته بالصمغ، ويقوم كل صباح بكتابة جزء جديد من الحروف أو الآيات والسور القرآنية بوضع الجزء الأمامي من قلمه القصبي فيها. 

وكان لون الصمغ البني الفاتح يثيرني، وما يزال إلى الآن عالقا في ذهني. تعلمت الكتابة بفضله بسرعة كباقي أقراني، ولم يكن خطي جميلا البتة، لكن شكله كان جميلاً على اللوحة الخشبية التي نطليها بالصلصال كل صباح بعد أن نستظهر ما كتب على أحد وجهيها أمام الطالْبْ (بتسكين اللام والباء)، ونغسلها جيدا في لمياضي (بتسكين اللام والميم بالأمازيغية) الكتاب ، قبل أن نعيد الكتابة عليها بما يمليه علينا الطالب، كل حسب مستواه. تلك كانت البداية إذن، وربما كانت أيضا بداية الكثيرين. وبعدها جاءت مرحلة المدرسة العمومية. واكتشفت فيها القلم في صيغة الريشة، وكنا كما في لجما، نحضر المداد بأنفسنا في المدرسة. لا أتذكر بالضبط كل  المواد التي تدخل في تحضير هذا السائل العجيب ذات  اللون الأسود الداكن. لكن أذكر أن من بين عناصر تحضيره، الكحول وغبرة مركزة سوداء والماء. وكانت آنذاك تؤثث الحجرات طاولات خشبية تتسع لتلميذين، وبها ثقبين توضع في كل واحدة محبرة، نملأها من قنينة المداد التي كانت توضع في مكان آمن بحجرة الدرس. 

وتحضرني هنا أغنية من نوستالجيا المرحلة، تمزج بين العربية والأمازيغية والفرنسية، وعنوانها سير عالله أدونيتي : 

فكرت يوما من الايام في الزمن، ألليخ سول مزياغي

فكرت في صغري ألليخ سول آد أقرغي

سير عالله أدونيتي

كنت تلميذ مجتهد، أور إيللي زوند نكني

أذهب إلى المدرسة أنا وصديقتي

وأجلس معها في مقعد واحد، وفيه محبرة

سير عالله أدونيتي

لادجيكتيف كاليفيكاتيف (adjectif qualificatif) إيلا غ لگراميري (grammaire) ولا

الڤوكابوليري (vocabulaire )

سير عالله أدونيتي

قعقع الرعد في السواحل الغربية

وتهاطلت الأمطار بغزارة

…………………….

سير عالله أدونيتي

 

وبدأت أسطر بالقلم، بمعية أصدقائي، أولى خطواتي في الخط والكتابة والقراءة.  وشيئا فشيئا بدأ القلم الجاف يبسط نفوذه ويأخذ مكان الريشة، التي استسلمت لهذا الشيء الدخيل والمبهر، فكان كل واحد منا يسعى بكل ما أوتي من إمكانيات ليحصل عليه، وكانت العلامة الوحيدة الموجودة في تلك الأوقات هي بيك Bic  ويسر لي ولرفاقي الكتابة بطلاقة وسلاسة، وما علق في ذهني وكان مصدر فخر بالنسبة إلي، هو أن معلمي الأول السي الحاج محمد رحمه الله كان من حين لآخر يمسح في جلابتي الصوفية ما اجتمع من خمل في رأس قلمه الازرق الجاف. وهو ما كان يتمناه باقي أصدقائي في الفصل الوحيد الذي كنا نتناوب فيه مع المستويات الدراسية الأخرى، وهي قليلة، بل وكان المدير والمعلمون عادة ما يجمعون مستويين في نفس الحجرة، فيخصص نصف الحصة لكل مستوى، وأحيانا أخرى يقررون دمج الجميع في المستوى الموالي لتفادي التشتت الحاصل عن التناوب. هكذا تقرر أن أمر رفقة زملائي الأطفال مباشرة من الابتدائي الثاني إلى المتوسط الثاني. 

بعد هذا لاحظت أنني أيقظت فضول القلم الذي تولدت لديه رغبة جامحة في أخذ الكلمة، وكأنه يريد أن يبسط سلطته علي ويستعيد نفوذه، وكأنه لا يريدني أن أكون بطل هذه الخاطرة. وهو محق في ذلك، أو لست في حضرته الآن؟ أو لم يكن تاريخه اكبر من تاريخي؟ وأفضاله علي وعلى بني البشر أكبر من أن آخذ منه البطولة الآن؟ فكان له ما أراد. 

عذرا سيدي، ليس مرادي أن أقاطعك، لكن قصدي أن أقول أنني كائن اجتماعي بامتياز، وحاضر في جميع مناحي حياتكم، بني البشر. ألم يشع بينكم و في ثقافتكم الأمازيغية المقولة المأثورة الشهيرة: “إغ أطصان مدن آر تاران، إغ ألان آر ساقران” (في وقت السلم تدون الجماعة – بالقلم  بالطبع-، وفي وقت الخلاف أو الخصام تقرأ الجماعة ما كتبت)؟ عودوا إلى القوانين العرفية التي كتبتم بي وما كان لها من دور في التعايش السلمي بين الأفراد والجماعات والعشائر. لقد ورد ذكري منذ القدم في جميع ما كتب. تغنى بي الشعراء والكتاب والأدباء. تحدث فلاسفة كل الازمنة عن أفضالي، من عرب وعجم، من اليونان والرومان والفرس والعرب والمسلمين والهنود والزنوج. وجرى ذكري في الكتب السماوية كلها، توجد في القرآن سورة كاملة تحمل اسمي وهي ‘سورة القلم’،  حيث أقسم الله بي حين قال: “نون والقلم وما يسطرون” ( سورة 68، آية 1)، كما تم ذكري في أحد أشهر أبيات الشاعر العباسي أبي الطيب المتنبي في مجلس سيف الدولة، مفتخرا بذاته ومعتزا بشخصيته: 

ألخَيْـلُ وَاللّيْـلُ وَالبَيْـداءُ تَعرِفُنـي

وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَـمُ

قد لا أنتهي من سرد كل مجالات الحياة التي يكون حضوري فيها ضروريا. فجميع العقود والمواثيق الإجتماعية، من عقود التملك والميراث والزواج وغيرها، أنا من كتبتها. أنا من أعطي المشروعية للعلاقات بين الأفراد داخل الجماعة، أنا من ينظمها، أنا من يرسم حدودها بالعرف والقانون، أنا من ينقذ من الضلال والظلام والخصام والخلاف والخناق والسجال والجدال والمواجهة والحرب والعنف والتطاول والتهجم والظلم والأفتراء والبهتان والإعتداء. أنا من يفسح المجال للسلم والتعايش والوقار والاحترام والحشمة والإنصاف والمصالحة. أنا الحق في مواجهة الباطل، أنا المظلوم أمام الظالم، انا الجميل في مواجهة الجحود، أنا الجمال أمام القبح، انا الصديق في مواجهة العدو، أنا الأنيس في مواجهة الغربة والإغتراب، أنا النور في مواجهة الظلام، أنا العلم في مواجهة الجهل، أنا التعلم في مواجهة الأمية، أنا الإمتلاء أمام الفراغ، أنا البوح أمام الصمت والكتمان، أنا السكون أمام الصراخ، أنا الهدوء أمام الضجيج، أنا من يفتح الأفق أمام انسدادها، أنا التاريخ في مواجهة الزوال، أنا الحب في مواجهة الكره، أنا الإعتدال في مواجهة التطرف، أنا التسامح أمام الكراهية، أنا الانفتاح أمام الإنطواء، أنا المرشد عند الضياع، أنا الوضوح في مواجهة الغموض، أنا الذاكرة التي تنقذ من النسيان والاقصاء والتهميش، أنا الناصح للمضل. أنا من يكشف  المستور والمضمر. أنا من يفصح عن مكنونات البشر، أنا من يحرر تفكيره ويرفع القيود عن مخيلته، أنا من يطلق العنان لخياله ليبدع ويبتكر. أنا من يشهر مشاعره ويعبر عن أحاسيسه ويكسر صمته ويعلي من قدره ويكرم وجوده. أنا من يعطي الطعم لوجوده، والمعنى لحياته. أنا من يقلص المسافات ويفتح الآفاق ويدقق في التفاصيل والجزيئات. أنا من يتوغل إلى كنه الأشياء وأعماق الذوات. أنا من يواسي عند الضيق ويخفف عند الشدة ويرافق عند الاحزان.

أنا بحر من العطايا بلا شواطئ. أن من يكتب التاريخ ويصف الجغرافيا، أن من يكتب الأدب والسير والحكايات والقصص والأشعار، أنا من نقل وأوصل لكم فكر وتأملات كبار فلاسفة الإغريق واليونان، بي كتبت العلوم من رياضيات وفيزياء وكيمياء وعلم الأحياء والأرض. أنا من وصفت الكواكب والمجرات والأرض بمحيطاتها العميقة وبحارها الشاسعة وقاراتها الواسعة وغاباتها اللامتناهية. أنا من خلصتكم بجرة صغيرة مني، من المجرمين والمحتالين والغشاشين والنصابين واللصوص والطغاة؛ وأنا من كافأت بنفس الجرة، المتميزين منكم والمتفوقين والمخلصين والنزهاء والشرفاء. استعملتموني لمحو أميتكم ومحاربة جهلكم، ولشق طريق نجاحكم وكتابة بمداد فخر إنجازاتكم. استعملتموني في وحشتكم وغربتكم ووحدانيتكم، عندما تخلى الجميع عنكم. استعملتموني لأملأ عنكم فراغات الحياة الكثيرة. وجدتم في، الأنيس المخلص الوفي. كنت ولا أزال وسيلتكم لتفريغ ما يقض مضجعكم وما يؤرقه. كنت دائما بجانبكم في بدايات اكتشافكم لهذا الإحساس الغريب الذي انسل إلى روحكم بغتة واستولى عليها. بي كتبتم أولى عبارات الحب خلسة للحبيب أو الحبيبة. كنت السبيل للوصول إلى قلوب من تحبون سرا واستحال عليكم الوصول إليه جهرا. 

انا فخور بكل إنجازاتي وبأفضالي عليكم. وما أزال وفيا لعهدي ووعدي. أنا من يجعل منكم مدرسين ومهندسين وأطباء وعلماء وطيارين وأطرا عليا، تسيرون شؤون البلاد والعباد. أنا من ينير طريق الاكتشافات والاختراعات العلمية والانجازات التي تسهم في تقدم البشرية وتساعدها على تحسين مستوى عيشها. أنا من أصف الدواء للمريض، أنا من ينير الدرب في الظلام، فلم تستعملونني فيما يضر ولا ينفع؟ لم تصرون في الكثير من الأحيان على أن توظفوني في غير ما خلقت لأجله؟ لم تكتبون بي الأحكام الجائرة التي تصدرونها في حق الأبرياء؟ لم تستعملونني في السحر والشعوذة وإيذاء الناس؟ لم تلحقون الضرر بالأبرياء بهذا الفعل الشنيع؟ لماذا تشوهون بي سمعة الآخر وتنالون من شرفه وتتعرضون بي لأعراض الناس وتنكلون بهم؟ أنا بريء من تصرفاتكم الشنيعة هذه. أنا وضعت لأساعد الناس، لا لإلحاق الضرر بهم بأي وجه أو شكل أو طريقة. مهمتي  نبيلة ولا أقبل أن يتم تحريفها تحت أي مبرر. مهمتي التنوير، لا التضليل. سأظل وفيا إلى الأبد، لرسالتي التنويرية السامية مهما يكن، ولا أحد بإمكانه أن يثنيني عنها“.

لم أجرؤ على  مقاطعته ولم أستطع أن أعقب عليه بعدما سمعته عنه، وجميعنا يعرف ذلك. بالطبع لم يقل كل شيء ولا يمكن له أن يسرد كل إنجازاته في هذه المساحة القصيرة. لكني ومع ذلك أريد أن أشكره باسم الإنسانية جمعاء وأقول له أنني مدين له بما أنا/نحن عليه الآن. أنت من وضعتني في بداية سكة لم أنزل منها أبدا ولم أغادرها، رغم أنها وقفت في محطات كثيرة، تغري أحيانا بالنزول، قاومت تقلبات الزمن وصعوبات كل مرحلة وواصلت كما فعل الكثيرون، لأن المسير يستحق كل العناء.

 

التصنيف : آراء ثقافة