20 يونيو 2026 / 05:39

بيت الصحافة

الشطرنج الإسباني.. دلالة تحريك قطعة إلى المغرب وأخرى من الجزائر 

مارس 30 - 22 مارس 2025

توفيق سليماني 

إن التنقلات والتعيينات في الدبلوماسية هي أشبه نوعا ما بتحريك القطع في لعبة الشطرنج، بحيث لكل زحزحة دلالة وهدف. الدبلوماسية باعتبارها تكتيكات تعتمد دوما على المناورة، وكل تحرك يجب أن يُقْرأ في سياقاته الخاصة والعامة. وهي السياقات نفسها التي نحاول في هذا المقال عرضها لكي يستطيع القارىء استخلاص استنتاجه الخاص من التوجه الإسباني إلى تعيين دبلوماسي مجرب، وقاب قوسين أو أدنى من التقاعد، كرجل ثاني في سفارة المملكة الإسبانية بالرباط. وفي نفس الوقت تقوم الخارجية الإسبانية بتغيير رجلها الثاني في العاصمة الجزائرية. 

 

قبل سنة، قامت الحكومة الإسبانية بتعيين إنريكي أوخيدا، سفيرا بالمغرب، خلفا للدبلوماسي القيدوم ورجل القصر الإسباني، ريكاردو دييز هوتشليتنر، وهو تعيين مهم، بحيث أن أوخيدا كان يشغل منصب رئيس “بيت أمريكا”، وهو منصب مهم للغاية. صحيح أن هوتشليتنر يعتبر من كبار وشيوخ الدبلوماسية الإسبانية، ولكن لم يكن ممكنا أن يستمر بعد أن بلغ سن التقاعد. 

 

تعيين دبلوماسي وسفير كرجل ثاني بالمغرب يعبر عن رغبة إسبانيا في تعزيز حضورها ونفوذها بالمغرب، وتقوية التواصل مع مختلف الفاعلين المغاربة، خاصة أن الوافد الجديد يعرف المغرب جيدا، وسبق أن اشتغل فيه كقنصل عام. كما يمكن أن يقرأ التعيين على أنه هدية من الحكومة الإسبانية لدبلوماسي اقترب من التقاعد ويريد أن ينهي مسيرته في عاصمة مهمة للغاية بالنسبة لإسبانيا. في العرف الدبلوماسي الإسباني تبقى سفارتي المملكة الإسبانية في مدريد وواشنطن وجهة الدبلوماسيين الكبار ومبتغى الشباب.  

 

Dos gallos en el mismo corral

 

قرر وزير الشؤون الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، تعيين رجل ثاني في سفارة إسبانيا في المغرب والجزائر، في خطوة تندرج في إطار إعادة تنظيم السلك الدبلوماسي الإسباني. ومن المقرر أن يصل بيدرو خيمينيز ناتشر، المنسق الحالي للبعثة الدائمة لإسبانيا لدى الاتحاد الأوروبي (REPER)، إلى الرباط في الأسابيع المقبلة؛ في المقابل، سيغادر ألفارو أورتيغا، الرجل الثاني في السفارة الإسبانية بالجزائر، الجارة الشرقية في انتظار من سيعوضه، حسب ما كشفته مصادر دبلوماسية لصحيفة “لاراثون”.

 

المعطيات التي كشفتها “لاراثون” تقول إن تعيين الدبلوماسي ناتشر في المغرب جاء بناء على طلب شخصي منه، وهو الطلب الذي وافق عليه مجلس الخدمة الدبلوماسية بتزكية من ألباريس. 

 

بغض النظر عن مصدر القرار وهل هو شخصي أو مؤسساتي، فإن المؤكد هو أن ناشر سَيُعين من جَدِيد في المغرب، حيث كان عين قنصلاً عاماً في الناظور عام 2013. تم تعيين خيمينيز ناتشر قنصلا عاما في الناظور في عام 2013 وترك هذا المنصب في صيف عام 2014 بعد تعيينه سفيرا لإسبانيا في لاتفيا. في المقابل، لا يخلو التعيين المرتقب من تساؤلات. كيف يمكن جمع ديبلوماسيين متمرسين (أوخيدا و ناتشر) تحت سقف واحد بالرباط، كما يقول الإسباني (Dos gallos en el mismo corral cantan mucho y cantan desigual)، ديكان تحت نفس السقف يطربان كثيرا ولكن بشكل غير متسق). 

 

فيما يخص السياق الخاص، يأتي التعيين المرتقب للدبلوماسي ناتشر في الوقت الذي تمر فيه العلاقات المغربية الإسبانية بأفضل أحوالها منذ عقود بعد أن أقدمت الحكومة الإسبانية في قرار تاريخي في أبريل 2022 دعم مخطط الحكم الذاتي. كما أن هذا التعيين يأتي في عز استعداد البلدين لتنظيم كأس العالم 2030 بمعية البرتغال. كما تطورت المبادلات التجارية بين المملكة مع تحقيق أرقام قياسية سنة 2024. لكن حضور اللغة الاسبانية تراجع في المغرب بشكل مهول، بحيث أصبحت قريبة من الانقراض في الجامعات المغربية بعد أن اختفت في المدارس والثانويات والإعداديات العمومية. صحيح أن اللغة الإسبانية ازدهرت في المعاهد الخاصة الإسبانية (مثل سيرفانتس)، لكنه ازدهار جزئي ويخفي الغابة، بحكم أن أغلب الذين ينخرطون فيه لا ينتمون إلى الطبقة الوسطى، وحتى من ينتمون إلى الطبقة الوسطى يسعون فقط إلى أخذ شهادة أو تزكية للمساعدة على العبور أو الهجرة لإسبانيا، ولا علاقة لذلك بالدراسات الإسبانية كما هو متعارف عليه. هناك فرق بين لغة التواصل واتخاذ اللغة والثقافات الاسبانية والامريكولاتينة كمسار دراسي وأكاديمي. كما أن مشكل التأشيرات لازال يحرج الحكومة الإسبانية، بحيث أن عراقيل الحصول عليها لا تمس المواطنين المغاربة العاديين فحسب، بل حتى الباحثين والصحافيين الذين كرسوا حياتهم ووقتهم للبحث ودراسة اللغة والثقافة الإسبانية والإسبانيكية.  

 

فيما يتعلق بالسياقات العامة، تأتي عودة ناتشر للمغرب وخروج آلفارو من الجزائر في وقت تتصاعد فيه التوترات بين المغرب والجزائر، وانسداد قنوات الحوار والتفاوض. وإذا كان قرار الحكومة الإسبانية بخصوص الصحراء أسهم في وصول العلاقات الإسبانية المغربية إلى مستوى متميز في كافة المجالات؛ فإن الجزائر، من ناحية أخرى، كانت قررت في صيف 2022 قطع كل علاقاتها مع إسبانيا، لكنها عادت مؤخرا إلى مدريد بدون شروط أو مطالب. فشلت الجزائر في جس نبض إسبانيا.

 

كما أن هذا التعيين يأتي أيام بعد اعتماد اسبانيا استراتيجة جديدة في سياستها الخارجية تجاه إفريقيا، وهي الاستراتيجية التي كانت تُطلع عليها شركائها في القارة، وعلى رأسهم المغرب. هذه الاستراتيجية، وفق ما أكدته مصادر إسبانية لـMares30 ترتكز على محور مدريد، الرباط، دكار (إسبانيا، المغرب، السنغال)، هذا دون إغفال أهمية موريتانيا في المعادلة الإسبانية بحكم قربها من جزر الكناري. 

 

صحيح أن إسبانيا لا ترى أي تهديد لها في الشراكة الجديدة بين باريس والرباط، ولكن التوجس الاقتصادي والثقافي يبقى حاضرا. من الصعب على المستوى الاقتصادى والثقافي تحقيق توازن كامل بين الحضور الفرنسي، من جهة، والإسباني، من جهة ثانية، والأمريكي، من جهة ثالثة. وهذه المعطيات تدعم فرضية أن إسبانيا، عاجلا أم آجلا، ستحذو حذو فرنسا وأمريكا وتعترف جهارا بمغربية الصحراء. الزمن الجيوسياسي والجيواقتصادي لا يرحم في عالم يهتز مع كل “تغريدة” ترامبية، وإسبانيا لن تنزل من القطار المغربي. كيف ستنزل وهي المكلفة بصناعة قطارات ستسير فوق السكة المغربية قبل 2030 بتمويل إسباني (على شكل قرض). 

 

ويُعبر تعيين خيمينيز ناتشر في الرباط ومغادرة أورتيغا، نجل سفير إسباني سابق بالرباط، الجزائر عن سعي الحكومة الإسبانية إلى ضخ دماء جديدة وتعزيز حضورها الدبلوماسي في المغرب بشخصية ذات خبرة. وبينما تسعى مدريد إلى الحفاظ على توازن نسبي في علاقاتها مع الرباط والجزائر العاصمة، فإن مثل هكذا قرار  ينم عن رغبة الدولة الإسبانية في تعزيز نفوذها في مملكة ومنطقة ذات أهمية جيوسياسية كبيرة. 

التصنيف : آراء افتتاحية