حورية بوطيب*
لكل مرحلة رجالاتها و لكل ملف سياسة تحاك و استراتيجية يتم التخطيط لها، وفق معطيات متقلبة و متغيرة تمليها الظروف أحيانا و تفرضها الوقائع أحيانا أخرى، بنسائمها و رياحها التي قد تهب بما لا تشتهيه السفن.
رياح الصحراء كانت عاتية وأمواج بحارها غيرت مرارا اتجاه البوصلة إلى وجهة غير منشودة. ربان السفينة كان هناك ولا يزال يوجهها نحو بر الأمان، فلا بد للسفينة أن ترسو يوما، و لابد للرياح وأمواج البحر أن تنحني و تهدأ.
من ملحمة الاستقلال سنة 1956 التي قادها جلالة المغفور له محمد الخامس، مرورا بمرحلة البناء والتنمية التي أطلقها جلالة المغفور له الحسن الثاني، إلى مسيرة التقدم والنماء، المتواصلة بحكمة وتبصر جلالة الملك محمد السادس. من جيل إلى جيل، ظل ملف الصحراء يتصدر الأجندة و يتربع على عرش أولويات ثلاثة قادة، ثلاثة ملوك علويين صنعوا تاريخ أمة. خمسة عقود من الكفاح المستميث للم الشمل وطي صفحة الماضي، غير أن ما تحقق خلال العقدين الماضيين، يبشر بالانفراج القريب.
الجزائر، موريتانيا و إسبانيا جيران المغرب ومحيطه الإقليمي. لكل منهم جزء من المسؤولية في ملف الصحراء. رغم معرفتهم الدقيقة بأحقية المغرب في صحراءه، لكنهم فضلوا معاكسة الوحدة الترابية للمملكة. على مدى تاريخ النزاع، ناوروا، راوغوا و أججوا الأزمة أحيانا كثيرة، قبل أن تختار إسبانيا الإصطفاف إلى جانب الحق، أما موريتانيا فلازالت في المنطقة الرمادية، في الوقت الذي تستثمر فيه الجزائر كل طاقاتها للزج بملف الصحراء نحو التأجيج.
اشتدت المواجهات على عدة جبهات؛ وصلت ذروتها حين اختارت الجزائر إحتضان جبهة البوليساريو، الجمهورية الوهمية التي ساندتها دول قريبة و بعيدة في مناخ خيمت عليه استقطابات شديدة بفعل الحرب الباردة التي أرخت بظلالها على العالم.
إسبانيا، كقوة استعمارية، بسطت نفوذها على شمال المغرب وجنوبه. جميع الاتفاقيات و المعاهدات كانت تبرم مباشرة مع المملكة المغربية، فالصحراء جزء من المغرب؛ حقيقة كان يدركها الإسبان و على أساسها كانت المفاوضات و حتى المناورات. و مع استقلال المغرب كان الانسحاب فوريا من المنطقة الشمالية و تدريجيا من الصحراء، التي لم تكن لإسبانيا نية التخلي عنها و هي التي استقرت بها منذ سنة 1884؛ غير أن رياح الاستقلال هبت بأوروبا و بإفريقيا، لتنحني أمامها كقوة استعمارية حيث أُجْبرت على مغادرة طرفاية عام 1958 و سيدي إفني سنة 1969، ليستعيد المغرب صحراءه سنة 1975 بفضل الفكرة المبدعة التي أطلقها جلالة المغفور له الحسن الثاني، المسيرة الخضراء المظفرة.
أمام أنظار العالم، استعاد المغرب أراضيه غير أن طي الملف بصفة نهائية استغرق وقتا أطول مما كان مخططا له. مسيرة عجلت بخروج المستعمر الإسباني .غير أنها قوت شوكة الأعداء.
عيون الجزائر كانت على الصحراء، المنفذ الاستراتيجي نحو المحيط الأطلسي؛ و بما أن الوصول إليها كان مستحيلا، جندت إنفصاليين لزرع الفتنة والتفرقة. تعالت أصوات الانفصال التي أججتها الجزائر و منحتها مكانا بتندوف، أرض مغربية استولى عليها الجار؛ هناك أسس جمهورية الخيام، أحكم الأسوار و احتجز من باع لهم وهم الاستقلال و الانفصال عن الوطن الأم. صحراويون عزل، غرر بهم فكانت مخيمات الذل و العار ملجأهم و مكان احتجازهم لعقود طويلة.
منذ ذلك التاريخ و التوتر سيد الموقف بالمنطقة، فأدخل ملف الصحراء أروقة الأمم المتحدة بعد أن أجبر المغرب إسبانيا على ذلك في وقت كانت مدريد تعتبر الصحراء شأنا داخليا. ثم تقدم المغرب بطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة سنة 1974 لإحالة ملف الصحراء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، لتبدي رأيا استشاريا لتعزيز مطالبته بحقوقه التاريخية على الإقليم.
ثم تتوالى الأحداث… كل الطرق مشروعة ومشرعة لإعادة المياه إلى مجاريها و الأراضي إلى أصحابها. كان المغرب مؤمنا بعدالة قضيته، طموحا و متفائلا بتدبير الأمم المتحدة للملف.
لم يمل يوما من سياسة اليد الممدودة نحو الجزائر، الجار الموالي و الداعم لعدو الوحدة الترابية (البوليساريو) . اتحاد المغرب العربي سنة 1989 كان إحدى هذه المبادرات. عربون حسن نية و جوار صادق. مشروع من أجل تحقيق التقدم والرفاهية لفائدة شعوب المنطقة التي أنهكها الاستعمار.
ومن أهم بنود الاتحاد المغاربي، صيانة استقلال كل دولة من الدول الأعضاء. المشروع كبير و الحلم مغري، غير أن النوايا المبيتة أجهضت المبادرة؛ لتواصل الجزائر دعمها لجمهورية وهمية، هدفها زعزعة استقرار المنطقة و صد المغرب عن مواصلته مسيرة النماء التي أعطيت انطلاقتها بالمناطق الجنوبية بعد استرجاعها مباشرة، فمالك الأرض صاحب قرارها.
بالرغم من الخلافات و تصاعد التوتر والمشاحنات، كانت أراضي الصحراء ضمن مشروع البناء و التعمير كباقي جهات المملكة؛ فالمغرب لن يفرط في شبر من أراضيه. رسالة وصلت إلى العالم، فأزعجت الجار الشرقي (الجزائر) والشمالي (إسبانيا). كان المغرب واعيا بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، مؤمنا بأن الصحراء جزء من أراضيه و تستحق ساكنتها الاهتمام و العناية بتوفير البنى التحتية والإنصات لاحتياجاتهم.
ثمن البناء كان باهضا و فاتورة أوراش التنمية من الصعب ضبط أرقامها، فأراضي الصحراء قاحلة وشاسعة والمشاريع الضخمة الصامدة فوق رمالها مكلفة. و مع ذلك سخرت جميع الإمكانيات لتصبح الصحراء موطنا للسكن و مقصداً للإستثمار و وجهة آمنة للسياحة العالمية؛ و الأهم، وطنا آمنا محتضنا لكل أبنائه. قمة المصداقية، و أبهى صور الشرعية أن تستثمر الدولة على أرض متنازع عليها… فهي متيقنة بأنها المالك الشرعي لها.
سنوات طويلة من المفاوضات على جميع الجبهات داخل المغرب وخارجه لحل النزاع. قائمة طويلة من القرارات بالأمم المتحدة، بالجمعية العامة وبمجلس الأمن، و لائحة المبعوثين الأمميين إلى الصحراء تضيف لها كل مرة إسما آخر. حلول البعض كانت عقلانية و أخرى تجانب الصواب، غير أن الإجماع لم يكن يوما حلا مرضيا لجميع الأطراف. ثم جاء مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية، بمبادرة من جلالة الملك محمد السادس سنة 2007 . مبادرة رفضتها الأطراف المعنية بالنزاع لكنها الحل الوحيد الموجود على الأرض و القابل للتنفيذ، رغم أن أعداء الوحدة الترابية للمملكة لهم كلمة أخرى هدفها إبقاء الأمور على حالها.
تاريخ الصحراء المغربية… قصة كفاح و صمود. حكاية مليئة بالآمال، والأحلام، واللحظات التي شكلت مسار أمة بأكملها. المغرب سيظل في صحرائه والصحراء في مغربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
للحديث بقية، نلتقي الحلقة المقبلة للغوص أكثر في ملف يعد قضية وطنية وقضية كل المغاربة.
*صحافية ودكتورة ورئيسة الجمعية المغربية للصحافيين الناطقين باللغة الإسبانية.