توفيق سليماني
الموهبة وحدها أنقذت لامين جمال من الكذبة الإسبانية. في كرة القدم كما في السياسة تبرر الغاية الوسيلة. المصلحة العامة للمنتخبات الوطنية تجبر بعض المدراء الرياضيين على الكذب أو التضليل وحتى تقديم وعود فارغة للجوهرة المراد استقطابها. وحدهم النجوم يتم الكذب عليهم، لأن اللاعبين العاديين لا يضعون الشروط.
كان يمكن أن يكون لامين جمال ضحية للكذبة الإسبانية، غير أن موهبته أنقذته. لحسن الحظ، تجربة منير الحدادي لم تتكرر مع جمال، ويبدو أنها لن تتكر ما دام المرشح الأكبر للتربع على عرش الكرة العالمية في السنوات المقبلة. سبق وأن كذب المنتخب الإسباني على الحدادي بغية استقطابه، وعندما تحقق له المراد، لم يعد يوجه له أي استدعاء. وتدخل المغرب ليصلح ما أفسده الثور الإسباني بمساعدة الفيفا، وعاد منير للمنتخب الوطني قبل أن يختفي هذه المرة بسبب تراجع أدائه. المدير الرياضي الأسبق للمنتخب الإسباني، ألبيرت لوكي، يعترف اليوم أنه كذب بغية حسم قضية اللاعب جمال لصالح المنتخب الإسباني. لم يقل إن “لازمة الحدادي” كانت حاضرة في ذهن جمال وأسرته وكل مغربي يلعب في إسبانيا.
ألبيرت لوكي سلط الضوء، راكبا أمواج إذاعة “كادينا سير”، على مسار إقناع جمال لاختيار “لاروخا”. زعم لوكي أن جمال كان يريد في الأصل أن يلعب لإسبانيا وأنه كان يسعى جاهدا للمشاركة في كأس أمم أوروبا الماضية والتي فازت بها لاروخا بفضل هدف جمال أمام فرنسا في نصف النهائي وتميزه في النهائي ضد ألمانيا. ولكن إذا كان الأمر كذلك لما نزل الاتحاد الإسباني بكل ثقله لإقناع جمال والسفر حتى برشلونة لطمأنته بأن المراحل “ستحرق” استنائيا معه عبر قطار سريع يقوده للمنتخب الأول دون العبور عبر الفتيان والشباب، كما ينص على ذلك العرف في الجارة الشمالية، وهو العرف الذي استعمل لتبرير عدم استدعاء أو عدم طمأنة إبراهيم دياث عندما كان أنصار مدريد يطالبون بذلك.
هكذا، يتضح من كلام لوكي أن المنتخب المغربي كان قريبا من جمال ومتموقع بشكل جيد، خاصة وأن والده كان متوجسا من لعب ابنه لإسبانيا. لوكي قال إنه لم يكن من السهل إقناع جمال وأسرته.
“لم يكن حالة سهلة. حاول معه مدرب المغرب الذي حل بإسبانيا، كما حاولت الحكومة المغربية إقناعه، وعندما تحدثنا معه قال لي:’أريد أن أصبح بطل أوروبا؛ إنهم يضغطون علي من كل الجوانب، لكنني أريد اللعب مع إسبانيا’، هذا الكلام كان قبل أن يلعب رسميا مع إسبانيا”، يقول المدير الرياضي الإسباني الأسبق.
أكيد، المدرب الرياضي الأسبق لم يقل الحقيقة كلها حول قضية لامين جمال. لم يقل إن ميسي الجديد كان مشجعا للمنتخب المغربي، وأنه كان يدعم أسود الأطلس في مونديال قطر ضد إسبانيا وأمام رفاقه في لاماسيا؛ ليس الأب وحده، حتى جمال لم يكن متيقنا من اللعب لإسبانيا. لوكي يعرف كأي شاطر أن الجماهيري تعيش على الحاضر، وأحسن توظيف قضية جمال للتغطية على كل ما جاء في الحوار بخصوص محاكمة عرابه لويس روبياليس بسبب القبلة الشهيرة الممنوعة.
كما أن المدير الرياضي السابق لم يشر إلى ضغوط برشلونة لجعل جمال يلعب لإسبانيا بدل المغرب، وهذا أمر طبيعي لأن البارصا تبحث عن مصلحتها. لن يعارض برشلونة تنقل جمال في إسبانيا في النوافذ الدولية، واللعب ضد المنتخبات الأوروبية. بالنسبة للبارصا، أن يكون جمال محاطا بزملائه في النادي أفضل من أن يسافر للمغرب وإفريقيا ويواجه منتخبات تعتمد كثيرا على القوة البدنية بدل المهارة. إفريقيا فيها المهارة وخير دليل على ذلك لامين جمال والأخوين ويليامس وإبراهيم دياث. المشكل ليس في الأرض ولا في الإنسان، بل في التدبير الرياضي. المغرب تقدم في هذا المضمار، وأصبح يضاهي كبار القوم في أوروبا، على مستوى المنتخب الأول والبنية التحتية، لكن قطار المنتخبات الإفريقية لازال متأخر من حيث التدبير والبنية التحتية الرياضية وغيرها.
المدير الرياضي وجه أصابع الاتهام إلى والد جمال، وكأنه يقول له: كنت ستحرمنا من متعة العين بعد أن خسرنا ميسي لصالح الأرجنتين.
“الوالد كان مستعصيا أكثرا. قال لي إنهم سيوبخونه وسيغضبون عليه في المغرب. قال لي أشياء من الأفضل عدم ذكرها. جمال كان وجد السند في والدته. سألتني والدته ما إذا كنت أريد أن يلعب لإسبانيا، وكذبت عليها، قلت لها نريد أن يلعب معنا لأنه جاهز وليس لأن المغرب يريده”، انتهى كلام المدير الرياضي الأسبق.
المدير الرياضي أقحم والد جمال بطريقة فجة، وفيها نفحة من عقلية اليمين المتطرف، حيث لمح إلى أن الأب حاول استعمال الدين والأسرة للضغط على ابنه. وحتى عندما تحدث عن إبراهيم دياث احتقر الكرة الإفريقية، وزعم أن مواجهة إيطاليا وكرواتيا لا تقارب ولا تقارن بمواجهة كينيا وبوركينا فاصو. التمييز والعنصرية يهمينان كذلك على البنية الذهنية لبعض العقول المسيرة او المنخرطة في التسيير الرياضي بالجارة الشمالية. كلام لوكي يؤكد أن العنصرية في الملاعب ليست مرتبطة بأشخاص متعصبين للفريق، بل بنية ذهنية ملوثة تكبر رقعتها رويدا رويدا.
للأمانة، هناك جملة جاءت على لسان لوكي في الدردشة المطولة مع Cadena SER يقوله فيها “me dice que en Marruecos lo van a matar”، ما معناه أن والد جمال قال له إنهم سيغضبون عليه في المغرب إذا ما اختار إسبانيا، لكن الجميع انساق وراء تأويل خاطئ لما جاء في بعض الصحف التي أرادت تحويره المعنى قائلة إن جمال سيقبر كرويا في المغرب، وهي الترجمة التي نقلت حرفيا للصحافة العربية. فعل matar في هذا السياق لا يدل على القتل أو إقبار أو دفن أو أي شيء من هذا القبيل، بل على التوبيخ والغضب، وهي العبارة التي تقال كذلك بالدارجة المغربية “أن قتلك” بمعنى التوبيخ والغضب الشديد.
ما لم يقله المدير الرياضي هو أن الاتحاد الإسباني كان يراقب لامين جمال في برشلونة، وكان يعرف كل صغيرة وكبيرة عنه. العيون الكروية لا تنام في بلد جعل من كرة القدم عنوانا وعلامة بلد، وقوة ناعمة. الرهان على لامين جمال كان قضية دولة في إسبانيا. هدف جمال يحتفل به اليمين المتطرف واليمين واليسار واليسار المتطرف. وهذه نقطة إيجابية. صوت العنصرية مهما كثر ضجيجه لن يعلو على صوت كرة القدم. وحق القول إن موهبة جمال الجميل أنقذته من الكذبة الإسبانية.
