يكتبه عبد الرحمان بلعياشي
وانا استعد لزيارة بلدتي الصغيرة بحثا عن جرعتي الاعتيادية التي تلهمني وتعطيني الاحساس بالانتماء إلى أرض من نوع آخر. الجرعة التي أذهب للبحث عنها، لأن لا شيء آخر يمكن أن يعوضها أو يقوم مقامها ويعطي نفس مفعولها. كان لابد إذن من هذه الزيارة ولا بد من هذه الجرعة. مثلها كمثل المدمن على عادة ما ولا يستقيم له أمر ما لم يقم بها أو يمارسها أو يتناولها حسب نوعيتها. بطبيعة الحال إدماني ليس سيئا وليس مضرا بصحتي أو بسلامتي الذهنية والعقلية ولا يفسد علاقتي مع أهلي وأصدقائي أو حتى مع نفسي. إدماني جميل وانا من أصريت عليه، لأنه يمنحني المناعة الضرورية ويحول بيني وبين اليأس والإحباط والخدلان والتقاعس والكسل والخمول. إدماني يحارب النسيان، العدو اللدود للذاكرة. أذهب إليه وانا مطمئن البال وأقبل عليه بتفاؤل، كمن ذهب في حاجة يعرف أن قضاءها متاح ويقين. إدماني يسهل التواصل مع ماض كله ذكريات ويصالحني مع ذاتي ومع نفسي.

لهذا لم أتردد في القرار رغم كل التزاماتي التي لا تنتهي من تنسيق لمؤتمر دولي يهم العلاقات المغربية الإسبانية، ومن تقارير علي إعدادها حول بحوث ومقالات ومن تصحيح لأوراق الاختبارات الفصلية، ناهيك عن الالتزامات العائلية. قررت اذن أن أذهب وحملت معي كل هذه الالتزامات لأنجز ما استطعت منها في بلدتي الصغيرة، علما أنها تأخذ مني أيضا من الوقت ما لا يكفي للتصحيح أو كتابة التقارير وغيرها. عندما أحل بها، ينتابني إحساس رهيب بالانفصال عن العالم المهني، بل وأجد مزاجي مستعد فقط للإستمتاع بالوقت الضيق والمحدود الذي سأقضيه بها. هكذا هي بلدتي، تجذبني وتستحوذ علي كاملة وكأنها تغار من الالتزامات التي قد تشغلني عن الاستمتاع بها. وأنا بدوري لا أعصي لها امرا، فاكتفي بسرقة بعض الفترات لأنجز المستعجل منها فقط.

وأنا أهم بالذهاب، كانت أمامي ثلاث خيارات لا رابع لها. الخيار الاول وهو الخيار الإعتيادي، وهو أن أسألك الطريق الذي يربط اكادير بوارزازات في اتجاه تارودانت عبر الطريق السريع الذي يمر بدواوير متنوعة مثل الگفيفات وسبت الگردان وأرزان والفيض، تاركا في الجهة الأخرى من وادي سوس تارودانت المدينة وآيت إعزى وأولاد برحيل وأولوز، بعد ذلك أواصل المسير لأعبر مركز أساكي الشهير بالسوق الاسبوعي وهو عبارة عن محطة استراحة للسائقين والمسافرين ممن يرتادون هذا الطريق، قبل أن أصل إلى مركز تالوين، عاصمة الزعفران أو الذهب البنفسجي، حيث أتناول في إحدى المقاهي فطوري الاعتادي، الذي لا يتغير أبدا، حيث أن النادل نفسه بمجرد أن يرى سيارتي يهم بتحضير الشاي وأومليط وزيت الزيتون والخبز المحلي. بعد ذلك أواصل وسط حقول مليئة بأشجار اللوز والزعفران، نحو كوركودان، القرية التي بنيت على صفائح الرخام، حيث تتراءى على جنبات الطريق ألواح من جميع الأشكال والأحجام من الرخام.

وأترك البلدة ورائي ومعها المنعرجات، لأتجه في طريق مستوية نحو مدينة تازناخت. إن صادف يوم سفري يوم الخميس، وهو يوم السوق الرسمي وهو في نفس الوقت ألموگار أو ملتقي لعرض وبيع الزربية الواوزگيطية الجميلة بألوانها ورسوماتها الأمازيغية التي نسجتها أيادي نساء أمازيغيات يتخذنها مصدر رزق ويتفنن في الألوان والأشكال الهندسية والأحجام. ويجددنها بذلك ويساهمن في الحفاظ عليها تراثاً محليا ووطنيا بل وعالميا، لأن شهرتها الان تعدت الحدود الوطنية. وبذلك ضمنت لها الاستمرارية والخلود، والأهم من ذلك حافظت على مكانتها المرموقة ضمن قائمة الزرابي المعروفة وطنيا كالزربية الزمورية أو الرباطية وغيرها. بعد تازناخت أجد مفترقا لثلاث طرق حسب الوجهة التي يقصدها الناس. الأولى يمينا في اتجاه زاكورة عبر أگدز، والثانية يمينا وبعد ذلك أنحرف يسارا في اتجاه ورزازات المدينة، والثالثة يسارا في اتجاه أنزال وبعده تويين، البلدة المعروفة بسدها الجديد الذي يزود مدينة ورزازات وتازناخت والبلدات المجاورة بالماء الشروب وماء الري، وبها أيضا متحف على الهواء الطلق تعرض فيه ديكورات بعض الأفلام السينمائية التي صورت بوارزازات. وأواصل دون ملل لأجدني أمام مفترق طريق آخر، يؤدي اليمين منه الى تقاطع طريق اكادير بطريق مراكش ورزازات. آخذ عموما الطريق اليسار وطوله تقريبا خمس عشرة كيلومترا قبل أن أصل إلى مركز امرزگانحيث ألتقي بالطريق الوطنية رقم 9 التي تربط ورزازات بمراكش . آنذاك أشعر بإحساس خاص كوني اقترب من بلدتي الصغيرة ولا تفصلني عنها إلا بعض الكيلومترات، ولا أعدها أبدا بل أعرفها بأسماء الدواوير التي أمر بها، وهي إفليلت وإسالن والبوصط، وهو مفترق الطريق المؤدية إلى تمقيت وبوطازولت حيث يوجد منجم يستخرج منه معدن المنغنيز. أواصل بعد هذا التقاطع نحو آيت إبورك أو أديغان ثم تالسننانت قبل أن أنحرف يسارا لأخذ طريقا غير معبدة تقسم تازيتونت إلى قسمين وأعبر وادي تزگي نوزاليم فأمر بأگني ن أيموماسين لأدخل دواري من الشرق بدءاً بتيغرمت وتيمردال قبل أن أنزل في منعرج خطير نحوإيمي نايت بولمان. قد أعود في خاطرة لاحقة لبعض تفاصيل كل هذه الأمكنة والعلاقة التي نسجت بيني وبينها طوال ما يناهز خمسون سنة.

الخيار الثاني الذي كان بإمكاني سلكه للذهاب إلى بلدتي الصغيرة هو عن طريق تارودانت نحو آيت إعزى وأولاد برحيل لأنحرف يسارا عند مدخل مركز أولوز غربا وأمر باودية بعضها دائم الجريان وبعضها الآخر متوقف على سيول الأمطار ، لكنها أودية تحفها جبال من الجهتين وأراضي زراعية وحقول على شكل مدرجات ذات طبيعة معاشية، وقد يعرض السكان بعض منتجاتهم الفلاحية والحيوانية واليدوية في الأسواق الأسبوعية التي تنتشر على طول الوادي وأشهرها أربعاء أمسوزرت، الذي يعتبر ملتقى اجتماعي واقتصادي مهم، ومنه تتفرع الطريق المؤدية إلى بحيرة افني الشهيرة. كما أن المنطقة برمتها مشهورة بالتفاح والجوز كونها منطقة باردة جدا خصوصا في فصل الشتاء. أما أهلها فمعروفون بالبساطة والكرم. وتعرف المنطقة إلى جانب مركز تيديلي، بمنتجعات سياحية مخبأة في الجبال الخلفية، لا يعرف مكانها إلا سكان هذه البلدات أو بعض المرشدين السياحيين المحليين أو أصحاب دور الضيافة المنتشرة في كل الربوع حيث يقترحون على زبناءهم بعض الخرجات لاستكشاف هذه الأماكن الغريبة والجميلة. بعد تيديلي، عادة ما أجد سيارات متوقفة على جنبات الطريق تقوم بملاء قنينات كبيرة بماء عذب يخرج من بين احجار خزية اللون، وهي ماء طعمها معدني، ويقبل عليه الناس كثيرا بحجة أنه يسهل الهضم أو يقي ويعالج بعض المشاكل الصحية. وأواصل في منعرجات ووسط حقول التفاح والجوز والمروج وسط دواوير تتشكل من بيوت طينية قديمة إلى أن تتراءى لي واحدة من أجمل المقابر اليهودية شمال بلدة تامسطينت. وأتذكر أنه في سنوات الثمانينيات كنت ألتقي بأفواجمن اليهود المغاربة الذين هاجروا إلى إسرائيل، التقي بهم في مركز اگويم حيث يستعدون للصعود إلى أعالي تامسطينت ليقيموا بالقرب من المقبرة في خيام كبيرة موسمهم السنوي وسط احتفالية خاصة وبرعاية من السلطة المحلية. طبعا هم مغاربة قبل كل شيء وبهذا الموسم يصلون الأرحام بالوطن والأحباب. وكنت أنبهر أيما انبهار وانا أسمعهم وأدردش معهم بالدارجة المغربية أو في بعض الأحيان بالأمازيغية. عندما أهبط من تامسطينت، أكون قد وصلت مباشرة إلى مركز اگويم، وهو مركز كبير ومهم جدا ويوجد في ملتقى ثلاث طرق رئيسية. الأولى في إتجاه مراكش، والثانية في إتجاه ورزازات، والثالثة في اتجاه تديلي واكادير.

الخيار الثالث وهو الذي اخترته هذه المرة، وهو أن أتجه أولا إلى مراكش وبعدها اسلك طريق ورزازات مرورا بآيت اورير والتوامى المعروفة بمعصرات زيت الزيتون، وأبدأ بعدها بصعود الجبال وسط تغير نباتي وغابوي لافت. أول البلدات التي أصل اليها عبر منعرجات في الطلوع والنزول، هي توفليحت، وبعدها زرقطن ثم أنزل بسيارتي لأسير في مستوى الوداي لأصل إلى تازلياضا وتادارت 1 و 2، لاقف عند حاجز الثلج الذي يتم إنزاله عندما تسقط الثلوج بكثافة في تيشكا، أو تحديدا بين حاجزي إغرم نوگدال جنوبا وتادارت شمالاً. وها أنا اقف عنده الآن بعدما كنت على وشك صعود منعرجات تيشكا الشهيرة. اختيار صعب لكنه جميل، صعب ليس لأن الطريق وعرة بمنعرجاتهاوجبالها الشامخة التي لا تنتهي، بل لأنني اطلعت على توقعات المناخ، وخبرت أن الجو سيكون ماطرا وسيكون مرفوقا بتساقطات ثلجية من تدارت إلى اغرم نوگدال. اختيار جميل لأنه أعادني إلى سنوات خلت، سنوات أواخر السبعينيات من القرن الماضي عندما كنت أدرس في قسم المتوسط الثاني بمدرسة اغرم نوكدال وكنت أرافق والدي في خرجاته الليلية ليقوم بمهمته الشاقة لإزالة الثلوج على مسافة طويلة بكل تفاني ونكران الذات، وفي مهمته الإنسانية لمساعدة السائقين للمرور وبسلام في الاتجاهين، نحو مراكش أو نحو ورزازات. ها أنا الآن أقف أمام حاجز الثلج بكل حمولاته العاطفية والثلوج تتساقط من السماء بدون انقطاع، مثل خيط الصوف الأبيض الناصع، ننتظر إشارة من السلطات المحلية لنصعد جبل تيشكا ونصل إلى تيزي نتيشكا على علو يصل 2260. البرد قارس ودرجة الحرارة تتأرجح بين صفر وناقص إثنان. لكن ذكرى السنوات الخالية أعطاني دفئا غريبا وجعلني أرتجل هذه الخاطرة من الأعماق وكأنها الجرعة التي أبحث عنها وأنا أهم بزيارة بلدتي في هذا التوقيت بالضبط. تيزي نتيشكا هي الحد الفاصل بين إقليمي ورزازات ومراكش. لكن تيشكا بالنسبة لنا هي بالخصوص عندما تبدأ في الهبوط عبر منعرجات بنفس التواء المنعرجات السابقة في اتجاه الجنوب، أي في اتجاه ورزازات. ومن تم تبدأ وتتجه شمالا وسط وادي تجري فيه بعض المياه وهو عبارة عن مروج ترعى فيه أغنام كثيرة والنحل، وتسمى أسونفو أي الإستراحة، وتحيط بها تلال صغيرة، قبل أن تصل إلى منعرجات تتخذ شكل جبل ملتوي أو ثعبان طويل يتلوى فلا تعرف البداية من النهاية، وترى السيارات والشاحنات والحافلات تسير ولا تعرف هل تصعد الجبل أو تنزله. مشهد جميل ورهيب، يقطع الأنفاس. من الأعلى تتراءى لك منازل طبيعية خلابة تشكلها الجبال العالية، وتتسم بجمال أخاذ عندما تكسوها ثلوج فصل الشتاء وتتخللها شلالات عالية بفعل العيون التي تحدثها الأمطار أو ذوبان الثلوج.
ذاكرتي عادت بي إلى تلك السنوات، ربما 1978، حيث كنت ارافق أبي وهو يقود كاسحة الثلوج وقاهرته، الالمانية الصنع. كنت طفلا صغيرا ولم أكن بعد أدرك بعد بعض الأفعال وأهميتها. غير أنني كنت أستمتع وانا جالس على يمين أبي وهو يقود الكاسحة مفتخرا بفعله ومقدرا جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقه. كان يعي جيدا أنه الوحيد الذي سوف يخلص السائقين والركاب من الثلوج التي كانت وقتئذ سهلة التساقط وبكثافة عالية. سنوات الزمن الجميل حيث ذوبانها البطيء يوفر الماء إلى ما بعد فصل الصيف، فكانت الوديان لا تنقطع فيها المياه وكنا نحن الأطفال نقيم مسابح طبيعية ونستمتع بها طيلة أيام الصيف الحارة، كما تؤمن الماء الشروب وماء السقي طيلة السنة، إضافة إلى أن هذه الثلوج والامطار الغزيرة التي كانت تتهاطل من السماء بسخاء كبير تغذي الفرشة المائية وتؤمن احتياجات الساكنة والبهائم لسنة كاملة وأكثر. زمن كنت منبهرا فيه بعمل أبي وكانت بدايات اكتشافي لإنسانية عالية يكتنزها بداخله ويترجمها إلى أفعال دون إنتظار عرفان أو مقابل. وكانت أيضا بدايات تعرفي عليه عن قرب وبدأت أرسم له صورة جميلة أصبحت مع مرور السنوات مثالي وقدوتي في الحياة، استلهم منها ما ينقصني وأقوي بها ما أراه هشا وأقوم به ما أراه معوجا.
كلفني عبور تيشكا منذ أن حاصرتنا الثلوج ما يزيد عن 26 ساعة، لم أشعر فيها بأي ملل أو تعب، بل على العكس أعطتني من الجرع ما يكفيني لمدة طويلة. وها أنا وصلت إلى بلدتي الصغيرة والباردة استرجع فيها الصور الجميلة التي التقطتها ذاكرتي والتقطتها عدسة هاتفي، واستكملت كتابة خاطرتي.
قاص وباحث