20 يونيو 2026 / 07:48

بيت الصحافة

ميغيل آنخيل رودريغيز ماكاي، وزير الخارجية السابق لدولة البيرو، لـMares30: زيارة الملك محمد السادس شكلت نقطة تحول مهمة في التقارب السياسي والدبلوماسي بين البيرو والمغرب (الجزء الثاني)

Mares30 - 23 يناير 2025

حاوره توفيق سليماني

ترجمة: د. محمد الشاربي

 

تمكن المغرب في العقد الأخير من تحقيق إنجازات دبلوماسية كبيرة في القارة الأمريكية اللاتينية، بحيث استطاع التموقع في بعض البلدان التي كانت حاضنة ومعقلا للأطروحة الانفصالية التي ما فتئت تدعو إليها البوليساريو بدعم صريح من الجزائر وجنوب إفريقيا. وكما حدث ويحدث في إفريقيا منذ يناير 2017، تاريخ عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، قامت العديد من الدول التي كانت السباقة للاعتراف بالبوليساريو في أمريكا اللاتينية بتجميد العلاقات أو قطع وحتى سحب الاعتراف بالجبهة.

ولا يمكن التطرق لملف الصحراء في علاقته بالقارة الأمريكية اللاتينية دون الاستماع والقراءة للأصوات الحكيمة والعارفة بالملف في هذه القارة. كل هذا دفعنا في جريدة “مارس 30” إلى إجراء حوار مع واحد من أكبر المهتمين بقضية الصحراء والمتخصصين في القانون الدولي، والعارف أيضا بخبايا الدبلوماسية وتعقيداتها. يتعلق الأمر بالسيد ميغيل آنخيل رودريغيز ماكاي، وزير الخارجية السابق لدولة البيرو.

 

في هذا الجزء الثاني من الحوار، يسلط الدبلوماسي والخبير السياسي البيروفي رودريغيز ماكاي الضوء على العلاقات الثنائية بين المغرب ودولة البيرو، بشكل خاص، وأمريكا اللاتينية؛ بشكل عام، وأيضا سر نجاح الدبلوماسية المغربية. الجزء الأول خصصناه  كاملا لنزاع الصحراء لفهم مستجداته والسبب الذي يجعل الجزائر تعرقل كل مسارات التسوية، والجزء الثاني يغوص في ثنايا العلاقات المغربية الأمريكولاتينية.

 

كيف تقيمون الوضع الحالي للعلاقات بين المملكة المغربية وجمهورية البيرو؟

يمكنني القول بأنها تحسنت رغم الخطأ أو التهور الذي ارتكبته حكومة الرئيس السابق بيدرو كاستيو، الذي اختار إعادة تفعيل العلاقات الثنائية مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية المزعومة، بدعم من قبل قطاعات يسارية في البلد، بالإضافة إلى المواقف المتذللة لوزراء الخارجية الذين لم يفكروا إلا في كيفية الحفاظ على مناصبهم الوزارية، ضاربين عرض الحائط مبادئهم وقناعاتهم القانونية والسياسية. 

 

عندما كنت وزيرا للخارجية، صححت الحكومة المسار وقررنا القطع نهائيا مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، لكن كاستيو تراجع عن قراره بعدما تم نصحه بشكل سيئ من طرف آخرين، مما تسبب في استقالتي الفورية. تجدر الإشارة إلى أنه من بين 78 وزيرًا في حكومة الرئيس السابق بيدرو كاستيو، كنت أنا الوحيد الذي استقال بشكل لا رجعة فيه.

 

عند سقوطها في ديسمبر 2022، وتشكيل الحكومة الحالية للرئيسة دينا بولوارتي، تقرر بسعادة تعليق جميع العلاقات مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ولهذا السبب تحسنت العلاقات مع المغرب، لكنها لم ترقى بعد إلى المستوى المتوقع الذي تركناها عليه. ستعود إلى ذلك المستوى عندما يتم القطع نهائيًا مع ذلك الكيان. وهذه كانت أبعد نقطة وصلنا إليها عندما كنت رئيسًا للدبلوماسية في بلدي.

 

هل يمكننا أن ننتظر خلال هذا العام دعما واضحا من حكومة البيرو لمخطط الحكم الذاتي للصحراء، كما فعلت مجموعة من القوى العالمية الكبرى وأيضا عدد من دول أمريكا اللاتينية؟

أتمنى أن يحدث ذلك. أنا رجل متشبث بالإيمان والتفاؤل. رغم أن انتقادي للحكومة الحالية معروف وعلني، فأنا أبقى رجل دولة ومؤسسات إلى حد كبير. ولذلك أقول إنه على الرغم من كون أن الرئيسة بولوارتي تحظى بترحيب قليل في بلدي وهذا لا يتعارض مع تحركاتها وقراراتها الرسمية، أعتقد أن الحكومة التي ترأسها الآن يجب أن تتحرك بسرعة وتمضي قدما مع المغرب من خلال تعزيز العلاقات بينهما. وسيكون من الإيجابي جدا والفعال للغاية أن تفتح البيرو قنصلية لها في مدينة الداخلة، في قلب الصحراء المغربية، كما فعلت العديد من الدول الأخرى.

 

وسيكون ذلك بمثابة اعتراف قانوني بسيادة المغرب على الصحراء، وسيكون أيضًا موقفًا متبصرا للحكومة البيروفية، والذي سيتم تقديره وتثمينه بشكل كبير جدا، بالنظر إلى مصالحنا الوطنية في إفريقيا والمحيط الأطلسي. ستكون فرصة عظيمة جدا لربط ميناء شانكاي (Chancay) العملاق، الذي بدأ للتو، بالموانئ المغربية العملاقة بمدينتي طنجة والداخلة، هذا الأخير يوجد الآن في طور الإنجاز، وسبق أن قمت بزيارته من قبل. يتعين علينا أن نتطلع إلى المستقبل في نظرتنا الجيوسياسية. ليس كل شيء في المحيط الهادئ. العالم يتغير والجغرافيا السياسية تتبدل أيضا، أي أنه لا يوجد شيء ثابت في العلاقات الدولية.

 

لماذا لم يتمكن المغرب والبيرو من إقامة علاقات تجارية واقتصادية ترقى إلى مستوى علاقاتهما السياسية والدبلوماسية والبرلمانية؟

أشكركم على هذا السؤال وسأرد عليكم بما قدمته أمام الأكاديمية الشريفة للمملكة المغربية بمناسبة دورتها الخامسة والأربعين في أبريل 2018 والتي كانت تحت عنوان “أمريكا اللاتينية.. أفقاً للتفكير”. ما يقع هو أن أمريكا اللاتينية لم تستطع بعد توجيه أنظارها نحو المحيط الأطلسي، وبالتالي نحو القارة الإفريقية. وهذا خطأ ترتكبه بلدان المنطقة، بما في ذلك دولة البيرو.

 

لنكن واقعيين. لا تقوم الطبقات السياسية بجعل شعوب المنطقة ينظرون نحو إفريقيا. هذه مسألة ثقافية تحتاج إلى التغيير، أو بالأحرى، تحتاج إلى التصحيح، لأن الكثير مما نعرفه عن المغرب والعالم العربي وصل إلينا عبر إسبانيا. وهذا الأمر واضح وضوح الشمس.

 

لذا، ينبغي إدراج هذه المسألة في المناهج الدراسية. هذا سيسمح بجعل شعوبنا تنظر إلى إفريقيا والمغرب بطريقة مختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يُنظر إلى المغرب على أنه بعيد ولا أعتقد أن ذلك بسبب المحيط الأطلسي، الذي هو مثل المحيط الهادئ تقريبا، ولكن لأننا نعتقد أنه بعد جبال الأنديز وغابات الأمازون الكثيفة لا يوجد شيء أو توجد أشياء قليلة جدًا، ويتصور أيضا أن أي عملية أو تحرك في هذا الاتجاه في العالم يعتبر أمرا مكلفا.  

 

أعتقد أنه ليس هناك استراتيجية للنظر أو التفكير في  إفريقيا بعمق اقتصادي وتجاري، ويجب أن تكون لرجال الأعمال لمنطقتنا ثقة أكبر، وخاصة في هذه الأوقات التي نعيش فيها في عالم مترابط وبلا حدود.

 

يواصل المغرب توسيع نفوذه في أمريكا اللاتينية. ما هو سر هذا التغلغل أو الإختراق الناجح للدبلوماسية الرسمية والبرلمانية في أمريكا اللاتينية؟

أعتقد أن هذا يرجع بالأساس إلى احترافية وفعالية دبلوماسية البلد. إن المغرب يعرف كيف يكسب الأصدقاء، وهذه ميزة مهمة للدولة التي يجب إبرازها دائما. يسهل على المغرب كسب المزيد من الأصدقاء لأن ممثلو البلد يتحدثون وينشرون فقط الحقيقة. الحقيقة دائمًا تجد أبوابا مفتوحة أمامها أينما ذهبت. وهذا ما تميزت به المملكة المغربية.

 

إن المغرب يعرف كيف يستثمر في التعريف ببلاده لدى المواطنين من مختلف أنحاء العالم. إنها أفضل طريقة لجعل السياسيين أن تكون لهم فكرة واضحة وشاملة عن البلد وثقافته وقضاياه، إلخ.

 

أريد استحضار الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس إلى دولة البيرو في عام 2004. أتذكرها وكأنها حدثت بالأمس، لأنني في ذلك الوقت كنت أشتغل في وزارة الخارجية وكان هناك الكثير من التطلعات بشأن مجيئه إلى البيرو. لقد تابعنا، نحن الخبراء الدوليين، عن كثب الزيارة الرسمية التي قام بها العاهل المغربي.

 

أعتقد أنها كانت نقطة تحول مهمة للغاية في التقارب السياسي والدبلوماسي بين البيرو والمغرب. ينبغي للرئيسة بولوارتي أن تتخذ الخطوة التي ذكرتها سابقا، أي أن تقرر فتح قنصلية للبيرو في الداخلة، والسفر إلى المغرب بمناسبة افتتاحها، وهذا سيرقى بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أفضل. 

 

نعرف أن الخطوط العريضة للدبلوماسية المغربية يحددها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي يشدد على أهمية إقامة علاقات متميزة مع بلدان أمريكا اللاتينية. وهذا يتطلب أيضا وجود شخص مناسب لقيادة هذه الدبلوماسية بشكل جيد. باعتباركم كوزير خارجية سابق، كيف تنظرون إلى العمل الذي يقوم به وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة منذ عام 2016 ومساهمته في تعزيز العلاقات بين المغرب وأمريكا اللاتينية؟

أود التأكيد على أن المغرب لديه وزير خارجية متميز جدًا. تجده في كل مكان. دائما يقوم بأعمال دبلوماسية وينسج علاقات لربط بلاده بالعالم أجمع، ملتزما بشكل تام بتعليمات جلالة الملك محمد السادس، وهذا يستحق فعلا الإشادة والتنويه.

 

عندما كنت وزيرا لخارجية بلدي (البيرو)، تحدثنا عبر الهاتف حينما اتخذت الحكومة البيروفية قرارا رسميا بقطع علاقاتها نهائيا مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. لقد رأيته كله عزم من أجل تحقيق أهداف المملكة. وبعد أن التقينا بمناسبة زيارتي الأخيرة إلى الرباط للمشاركة في اجتماع لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، التي يترأسها المغرب، كانت فرصة لأعرب فيها عن امتناني لدعمه القوي لبيرو لإنهاء الأزمة الحادة المتعلقة بالأسمدة التي كانت تعاني منها البلاد خاصة في الوقت الذي كنت فيه وزيراً. 

 

لقد كلفني الرئيس السابق بيدرو كاستيو شخصيًا بمحاولة البحث من أجل إيجاد حل للمشكلة خارجيا، وكان المغرب، من خلال وزير خارجيته ناصر بوريطة وسفيره المتميز هنا في ليما، أمين الشودري، مهما للغاية من أجل تحقيق ذلك، وهنا أود أيضًا أن أشير إلى جهود السفير المغربي السابق، يوسف بلة. كلهم يشتغلون كفريق واحد في إطار السياسة الخارجية للدولة وهذا أمر مثير للإعجاب. وما وقع بعد ذلك تبقى قصة معروفة.

 

يوجد بوريطة في القيادة ولديه سلك دبلوماسي يعمل معه باستمرار من أجل خلق اتفاقيات وإنشاء تحالفات وفتح الأبواب ومد الجسور. باختصار، أقدر ما يقوم به وزير الخارجية المغربي.

 

والآن نمر للحديث عن البيرو. نريد منكم تشخيصا للحياة السياسية الحالية في بلدكم؟

سأكون مختصراً في هذه المسألة، لأنه باعتبار أن بلدي لا يعيش الآن أفضل لحظاته فلن يكون من الجيد أو الملائم لأي مواطن بيروفي، ناهيك عن وزير خارجية سابق، أن يتحدث عن بلاده في لحظات حرجة مثل التي يمر بها البلد الآن. أحس أننا تراجعنا أو ركدنا سياسيا. مرور 6 رؤساء فقط في 7 سنوات هي إحصائيات سياسية لا تدعو إلى الفخر. ومن المفارقات أنه على الرغم من وجود طريق جيد نحو تحقيق النمو الاقتصادي، -ولم أقل التنمية لأن هذا لا يوجد-، فإن الصراعات السياسية تتزايد وتسيطر على الأجندة الوطنية للبيروفيين.

 

أنا أكاديمي دخلت السياسة وخرجت منها مرفوع الرأس وأنا سعيد بخدمة بلدي، وأقول الأشياء بصراحة. أنا منظّر وباحث أعرف كيفية إستخدام البراغماتية عندما يكون ذلك مطلوبًا، والبيرو بحاجة إليها اليوم. أنا أعيش وأفكر طوال الوقت كرجل دولة، وآمل أن يحكم البيرو رجل دولة يتمتع بشخصية قوية (كاريزما) ولا يخاف من اتخاذ القرارات ولا تكون له أحكام مسبقة.

 

لقد وصلنا إلى الذكرى المئوية الثانية للجمهورية وما زلنا دولة متخلفة. هذا ليس معقولا. يتعين علينا إعادة هندسة رؤيتنا الوطنية وإعطاء إشعاع للبيرو من منظور دولة، وبخطة وطنية واحدة، مثل ما يقوم به المغرب. ومن أجل ذلك يتعين علينا الاستثمار في التعليم الحقيقي والعميق، وإلا فإننا سنستمر في صب الماء في الرمل. وكما قال خورخي باسادري، أعظم مؤرخ لجمهورية البيرو، “إن دولة البيرو أكبر بكثير من مشاكلها”. ولهذا، لدي إيمان بأن كل شيء قد يتغير.

 

التصنيف : أمريكا اللاتينية حوارات