حاوره توفيق سليماني
ترجمة: د. محمد الشاربي
مع استلام الرئيس دونالد ترامب مهام قيادة سفينة الدولة العظمى الأولى في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، ومع التغييرات والتقلبات الكبرى التي يشهدها العالم، تحتاج قضية الصحراء إلى تحليل عميق ودقيق. ولا يمكننا الحديث عن الولاية الثانية للرئيس ترامب دون استحضار نزاع الصحراء، نظرا لأنه أول رئيس أمريكي يعترف بمغربية الصحراء ولم يخف رغبته في فتح قنصلية أمريكية في الأقاليم الجنوبية للمملكة. قرار ترامب في 10 دجنبر 2020، الاعتراف بمغربية الصحراء، مهد الطريق للاعتراف والدعم المتواليين من قبل جزء كبير من دول العالم بمغربية الصحراء ومقترح الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع، ولا يمكن فصل الدعم الفرنسي والإسباني والألماني للمغرب عن الموقف الأمريكي.
قرار ترامب كان بمثابة بداية نهاية الطرح الانفصالي للبوليساريو والمسنود من طرف الجزائر وجنوب إفريقيا وبعض الدول الإفريقية واللاتينية القليلة. مع نهاية ولاية ترامب في دجنبر 2020 تم فتح صفحة جديدة في ملف الصحراء، وينتظر المغاربة والباحثون عن الحلول، بعيدا عن العراقيل، أن يعمل ترامب على ترسيخ مغربية الصحراء ويسهم في حسم هذا النزاع المفتعل.
كل هذا دفعنا في جريدة “مارس 30” إلى إجراء حوار مع واحد من أكبر المهتمين بقضية الصحراء والمتخصصين في القانون الدولي، والعارف أيضا بخبايا الدبلوماسية وتعقيداتها. يتعلق الأمر بالسيد ميغيل آنخيل رودريغيز ماكاي، وزير الخارجية السابق لدولة البيرو.
في هذا الجزء الأول من الحوار، يسلط الدبلوماسي والخبير السياسي البيروفي رودريغيز ماكاي الضوء على ملف الصحراء. خصصنا جزءا كاملا لنزاع الصحراء لفهم مستجداته والسبب الذي يجعل الجزائر تعرقل كل مسارات التسوية.
السيد الوزير، كيف تنظرون إلى المغرب على مستوى الساحة الجيوسياسية الإقليمية والعالمية الحالية؟
أرى أنها دولة قوية تتطور بشكل متزايد في القارة الإفريقية ومتمكنة أيضا على الصعيد الدولي. ما أقوله الآن ليس انطباعا ظرفيا، بل هو نتيجة لعملية عميقة ورسمية لتحقيق مكانة متميزة في النظام الإقليمي والدولي.
إن المغرب ليس دولة هامشية على مستوى العلاقات الدولية، بل هي دولة ناشئة في النظام الإفريقي والعالمي. ما حققه المغرب لم يكن مجرد صدفة.
لقد تمكنت المملكة المغربية، بقيادة ملكها (صاحب الجلالة الملك محمد السادس)، من التخطيط للمستقبل بشكل جيد، ورغم أننا لا نرى اليوم كل ثمار هذه الرؤية الوطنية، إلا أنني مقتنع بأنها دولة لها تصور واضح للغاية بشأن ما تريد الوصول إليه في المستقبل. الاشتغال بمنظور واضح وصحيح هو الشيء الأكثر أهمية بالنسبة للمغرب، ولذلك فإن كل التغييرات والتعديلات على الصعيد الداخلي المغربي في ما يتعلق بالبنية التحتية والحكامة قد سمحت للمغرب باكتساب القوة والسمعة. وهذا ما يفسر نجاحاته الدبلوماسية الهائلة في قضية سيادته على الصحراء الغربية.
لقد كان من الصعب للغاية الحصول على رد إيجابي من المجتمع الدولي الذي يتجلى في دعم كبير لسيادته غير القابلة للنقاش على الصحراء، لو لم يصنع مكانته وسمعته الدولية المعترف بها انطلاقا من مسلسله الوطني المتماسك والمخطط له بشكل جيد للغاية.
في المجتمع الدولي، تصبح البلدان ذات مصداقية وجديرة بالثقة عندما تظهر التزامها العميق بشؤونها الداخلية، والذي يترجم إلى احترام كبير لتنمية شعوبها. كيف يمكن للمغرب أن لا يكون موثوقا به وجديرا بالثقة وهناك سياسة دولة تروم تحويل الصحراء الكبرى إلى فضاء مليء حقا بالحداثة والتنمية لصالح سكانها الصحراويين الذين ينخرطون تماما، بحرية وطواعية، مع المغرب، الذي هو وطنهم التاريخي والدائم.
ذكرتم أن المغرب يتطور باستمرار وقلتم أيضا إن المغرب بدأ يتفوق على جنوب إفريقيا. كيف ترون، انطلاقا من أمريكا اللاتينية والبيرو، نجاح المغرب خلال هذه العقود الأخيرة؟ أين يكمن سر هذا النجاح، في نظركم؟
يكمن ذلك في اعتبار الوحدة الوطنية المغربية، التي استطاع الملك محمد السادس أن يجسدها باعتبارها سبب وجود الدولة، كشيء مهم للغاية وأولوي. لقد استطاع الشعب أن يستجيب لدعوة ملكه نحو تحقيق النمو والتطور. أقول هذا لأنه في البلدان التي يوجد فيها صراع داخلي مستمر، من الصعب جدًا بناء المستقبل بمجرد خطة أو دليل.
إن بلدي، البيرو، الذي أحبه كثيرًا، يعيش غارقًا في الاستقطاب السياسي والانقسام التاريخي الذي لا يسمح لنا بالتخطيط لمستقبلنا، على الرغم من توفره على إمكانات هائلة.
إن المغرب يعرف جيدا ما يريد، وقد حرص الملك على إيصال هذه الرسالة إلى كل شعبه، وهذا أمر مثير للإعجاب، سواء من حيث وضوح الملك الذي يقود البلد أو من حيث استجابة الشعب له. أو بعبارة أخرى: إن جوهر الوجود الوطني للمغرب هو وحدته الترابية، وهذا الأمر متجذر في نفوس المغاربة منذ الصغر.
وهذا هو السبيل الوحيد لتفسير الحدث الوطني الرائع المتمثل في استجابة الشعب المغربي لدعوة ملكه الراحل الحسن الثاني، والد الملك محمد السادس، للقيام بما يسمى بالمسيرة الخضراء. لم يُجبر أحد على القيام بذلك. وهنا يكمن سحر هذا البلد حيث يعرف الجميع بشكل واضح ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.
على ضوء ما سبق، هل يمكننا القول إن المغرب حسم بشكل تام قضية الصحراء وأن انهيار البوليساريو كليا أصبح مسألة وقت فقط؟
أود أن أقول بثقة مطلقة وبدون تعالي إن المغرب نجح في إظهار للدول الإفريقية والعالم أنه بلد يتمتع بمصداقية فيما يتعلق بقضيته الوطنية لأنه استطاع إثبات الحقيقة الوحيدة في هذا الصدد، وهي سيادته على الصحراء الغربية، التي لا تقبل الجدل أو النقاش. وقد ترجم هذا الواقع إلى اعتراف العديد من دول العالم بسيادته المذكورة، فضلاً عن موافقة أغلبية الدول على مقترحه المتعلق بالحكم الذاتي للصحراء المغربية، والذي قدمه الملك محمد السادس للأمم المتحدة في عام 2007.
إن ما سبق ذلك لا يعني أن المغرب كان يمشي معصوب العينين. ولهذا، ما لفت انتباهي أكثر في الدبلوماسية المغربية هو الواقعية التي تدافع بها عن قضية الصحراء، وتدرك أيضا أنه على الرغم من الحصول على دعم دولي ساحق لفائدة قضيتها المتعلقة بالسيادة على الصحراء، إلا أن هناك عقبة واحدة لا تزال قائمة، وهي الجزائر، التي أصبحت الآن بالفعل عقبة صغيرة وضعيفة في إفريقيا وبالطبع في العالم أيضا.
لماذا تصر الجزائر على أن تبقى حجرة عثرة في طريق المغرب؟ فهل تريد الجزائر فقط منع المغرب من التقدم أم أن لها نوايا ومخططات أخرى؟
إن مشكلة الجزائر تكمن في نظامها وسلطاتها التي لم تقرر منذ خمسين عاما قبول الواقع الجيوسياسي الوحيد الممكن. سأشرح بطريقة أخرى: ليس هناك أي طريقة و ليس من الممكن أن تصبح الجزائر دولة أطلسية وبالتالي ليس من الممكن أن يكون لها منفذ إلى المحيط الأطلسي كما كانت تزعم منذ غيرت مسار جبهة البوليساريو، الخاضعة لسيطرتها بالكامل والتابعة لأهوائها ونزواتها.
فبالرغم من أن البوليساريو نشأت في الأساس لمواجهة الاحتلال الإسباني من أجل قضية المغرب، إلا أنها تحولت فجأة في السبعينيات ضد الوحدة الترابية للمغرب، وسقطت بالكامل في لعبة وتلاعب الجزائر. لقد قاما معا بإنشاء، في خضم هذه الحيلة، وبشكل غير مسؤول “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” الوهمية، والتي لا وجود لها بالنسبة للقانون الدولي وأفضل دليل على ذلك هو أنها غير معترف بها من قبل الأمم المتحدة، لأنها ببساطة ليس لها أي وجود قانوني.
وتجد الجزائر صعوبة في تقبل وضعها الجيوسياسي الضعيف مقارنة بالمغرب. إن عنادها ليس له حدود. ولهذا السبب خلقت مشكلة الصحراء الغربية التي لم تكن مشكلة أبدا لأن الساكنة الصحراوية حافظت دائما على علاقاتها مع سلطان المغرب، ووافقت طواعية وبكل حرية على انضمامها إلى المملكة.
لقد أدخلت الجزائر نفسها في هذا الطريق للتآمر على تاريخ هذه العلاقة وهذه الروابط. ولهذا السبب، من وجهة نظري، هي المسؤولة الأولى عن المشكلة. لقد خلقت هذه المشكلة قبل خمسين عاماً، والآن ينبغي عليها القيام بحلها. ولذلك، فإن القرار الأخير رقم 2756 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة دعا عملياً إلى الجلوس إلى طاولة النقاش لقبول، وبشكل عقلاني، الواقع الوحيد الملائم: سيادة المغرب على الصحراء الغربية.
الجزائر لا تتعلم من أخطائها. قطعت علاقاتها مع إسبانيا بعد أن قامت مدريد بدعم مخطط الحكم الذاتي، ثم فعلت الشيء نفسه مع فرنسا. بينما لم تستطع قطع علاقاتها مع الولايات المتحدة وألمانيا بالرغم من دعمهما لمغربية الصحراء. هل هناك أمل في أن تعود الجزائر إلى رشدها وتغير موقفها تجاه المغرب؟
تعيش الجزائر واحدة من أكثر اللحظات حرجا أمام المجتمع الدولي. تتخاصم مع الجميع وتمر من خيبات جد كبيرة كدولة: العزلة.
إن الجزائر تتحول، بسبب أهوائها وموقفها المعاندة تجاه قضية الصحراء المغربية، إلى دولة منبوذة، وبصفتي خبيرا في القانون الدولي والعلاقات الدولية، أحذرها من أن هذا الأمر هو سيئ للغاية بالنسبة للمصالح الوطنية لجميع الجزائريين.
لقد كان خطأ كبيرا التخاصم مع إسبانيا وفرنسا، الدولتين اللتين كانت لهما صلة مباشرة في تاريخ المغرب خلال القرن العشرين، بشكل أساسي، واللتين تبنتا موقفا رسميا مسؤولا ومتماسكا، يعترف بسيادة المغرب على الصحراء. كانت مواقف مدريد وباريس واضحة جدا. وبسبب ذلك، فضلت الجزائر للأسف الرد على ذلك وبشكل غير ذكي.
لقد حان الوقت لكي تعود الجزائر إلى رشدها وتتخلى عن نواياها غير المتزنة فيما يتعلق بالفوسفات التي تم العثور عليه في الصحراء المغربية وفيما يتعلق أيضا برغبتها في الولوج مهما كلف الأمر إلى المحيط الأطلسي باستخدام كيان وهمي ودمية اسمها “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” التي ليس لها أي قيمة.
في القرن الحادي والعشرين، يطالب القانون الدولي جميع الدول بالتحلي بالانسجام والعقلانية، وهذا ما ننتظره من الجزائر، التي بعد أن ابتعدت عن إسبانيا وفرنسا، عرفت كيف تبقي علاقاتها مع الولايات المتحدة.
هل تتوقعون أن وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض سيؤدي إلى تسريع ترسيخ مخطط الحكم الذاتي وانهيار البوليساريو؟
أشكركم على هذا السؤال لأنه يسمح لي بتوضيح المزيد من الأشياء حول الجزء الأخير من السؤال السابق.
الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة في العالم، وإذا لم تفهم دول مثل الجزائر هذا الواقع، فهذا يعني أن شيئاً خطيراً للغاية يحدث داخل هذا البلد.
يجب على النظام الجزائري أن يدرك أننا لا نعيش في عالم ثنائي القطب أو في عالم الحرب الباردة. لقد انتهى زمن التكتلات الأيديولوجية الرأسمالية والشيوعية. إن دونالد ترامب، الذي سيتولى قريبا ولايته الثانية، سيتحلى بالبراغماتية إلى حد كبير للغاية في السياسة الدولية، ويجب على الجزائر أن تدرك هذا جيدا، وينبغي أن تتذكر أن ترامب هو الذي اعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية وأشاد بمقترح الحكم الذاتي للصحراء الذي تم تقديمه أمام الأمم المتحدة.
أعتقد أن ترامب سيبذل قصارى جهده الآن لإنهاء هذا الفصل السخيف في المغرب الكبير، والذي تم إنشاؤه على وجه التحديد بشكل غير مسؤول من قبل الجزائر، التي أرى أن نظامها لن يطلق النار على نفسه، بحيث لن يتحرك أو يعمل ضد مصالح جميع الجزائريين.
لقد جاء ترامب إلى الحكم لإنهاء الصراعات وسيعمل مع فلاديمير بوتن لمنع الحرب مع أوكرانيا. ولن يكون أمام الجزائر خيار آخر سوى الانضمام إلى منطق التحالفات الجديدة من أجل السلام والاستقرار في مختلف أنحاء العالم، ولذلك لا ينبغي لها أن تحلم بأن موسكو ستبقى على وضعها السابق، بل ستتغير أيضا. لقد تغيرت الأمور ولم تعد لعبة الشطرنج الدولية في صالح الجزائر العنيدة.
إذا لم تتغير الجزائر فإن العالم سوف يدير لها ظهره، وفي هذه الحاله لا أستطيع أن أتخيل مدى التفكك الذي يطال الجبهة الداخلية الجزائرية. ولكن إذا تغيرت الجزائر، فمن حقها أن تحظى بدعم المجتمع الدولي، بدءا بالمغرب نفسه، الذي انتهج سياسة خارجية أثبتت جدواها في الانفتاح والتضامن وحسن الجوار في منطقة المغرب الكبير وفي مختلف أنحاء إفريقيا، وبطبيعة الحال، العلاقات المتبادلة مع مناطق أخرى من العالم.