20 يونيو 2026 / 05:18

بيت الصحافة

بخصوص السنة الجديدة

مارس 30 - 6 يناير 2025

عبد الرحمان بلعياشي*

عاش جميع من في كرتنا الأرضية  الأيام الأخيرة من شهر دجنبر على إيقاعات سريعة تجري خطاها على خطى العد العكسي الذي سينهي السنة الميلادية القديمة  ليفسح المجال لحلول سنة ميلادية جديدة. هي سرعة نفسية أكثر منها واقعية، لأن الزمن هو نفسه في كلتا السنتين وفي كل السنوات، لكن لدينا انطباع بتدافع زمني جراء الخطوات القليلة المتبقية لبلوغ قمة جيل دام صعوده زهاء 365 يوما. وكأننا سنقيم قطيعة معها. هذا الإحساس في الحقيقة ما كنا لنعد له العدة لولا التغطية الخاصة التي تخصصها كل عام وسائل الإعلام بكل أنواعها عند اقتراب نهاية السنة الميلادية. ما كنا لننتبه إليها على الاقل بكل هذا الضجيج لو لم تبادر على عادتها وسائل التواصل إلى إدراج فقرات استثنائية في برمجتها تتوخى استعراض حصيلة السنة التي تشرف على الإنتهاء وتحليلها على جميع المستويات، بوضعها تحت مجهر الايجابيات والانجازات والنجاحات. ما كنا لنفكر كأفراد في الحصيلة والمحصلة لولا هذه البرامج الخاصة التي نشاهدها على جميع القنوات التليفزيونية ونسمعها في كل المحطات الإذاعية ونقرؤها في الجرائد اليومية ونتابعها في مختلف وسائل التواصل الإجتماعية. هذه الوسائل التي تتنافس في تنويع البرامج والضيوف الذين تستدعيهم خصيصا لهذه المناسبة. فيقومون برصد وتحليل الحصيلة السنوية، كل حسب تخصصه ومنظوره ومنهجه و أولوياته. فيرصدون ما تحصل خلال السنة وما تحقق من إنجازات وبرامج تنموية محليا ووطنيا وإقليميا ودولياً. ونادرا ما يرصدون الإخفاقات والتعثرات والفشل وما خلفه ذلك من إحباطات وما ضيع من فرص. ويتفق الجميع في استشراف غد أفضل وأمل كبير في أن تتحقق الأمنيات والتمنيات والأحلام العالقة، وهي نفسها التي نتبادلها فيما بيننا نحن أفراد هذا المجتمع الكبير ولا نمل من تكرارها كل سنة. وكأنه طقس من طقوس الحياة الذي لا بد من القيام به وممارسته بكل تفاصيله، لأننا بكل بساطة نتشبث بالحياة، حيث نأمل ونتطلع إلى أن يكون حاضرها أفضل من ماضيها، ومستقبلها افضل من حاضرها.


ومع ذلك
، لا يقوم أغلبنا أو كلنا بهذه الحصيلة على المستوى الشخصي والفردي، ونكتفي بترديد الحصيلة العامة على صعيد البلد، ونتباهى فيما بيننا في المقاهي والمجالس الخاصة بما تحقق أو تبين لنا أنه تحقق، ونقارن في ذاك بين بلدنا والبلدان الأخرى. ولعل أبرز ما ذكر في هذه المنابر الإعلامية أو الخاصة هو النجاحات  المبهرة التي حققتها الدبلوماسية المغربية فيما يرتبط بالخصوص بالقضية الوطنية الأولى، من خلال حصد المزيد من التأييد والالتفاف حول مقترح الحكم الذاتي، وكان آخرها الموقف الفرنسي الذي تم تأكيده بشكل رسمي وقطعي من خلال الزيارة الرسمية والتاريخية التي قام بها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون رفقة وفد رفيع المستوى إلى المغرب، وكذلك الاعترافات التي بدأت تتقاطر من أمريكا اللاتينية ومن افريقيا وما يليها من إغلاق للتمثيليات الوهمية للبوليزاريو وطرد أطقمها فيها. في المقابل تقوم البلدان الصديقة والتي اصطفت إلى جانب المغرب في قراراته واختياراته السيادية، بفتح قنصليات حقيقية في كبريات حواضر الصحراء المغربية.


كما أن
تدبيرها، أي الدبلوماسية المغربية، للخلافات والنزاعات والأزمات الدولية، و التوازنات التي تقيمها بعدم التسرع في الحكم أو الانحياز، تستحوذ على لائحة الإنجازات التي يتداولها المحللون في مختلف بلاطوهات القنوات التلفزيونية ومحطات الإذاعة وباقي وسائل الإتصال والتواصل. حكمتها في ذلك تتجلى بالخصوص في التريث الذي يعطي الوقت والفرصة للتحليل الرزين الذي يضع مصلحة البلد، في علاقته مع محيطه الدولي، فوق كل اعتبار. وهذا ما لمسناه مثلا في تعاملها مع ملفات وقضايا راهنة غاية في الحساسية مثل ما وقع ويقع الآن في غزة أو في أوكرانيا وأخيرا في سوريا. إضافة إلى دور الوساطة التي يقوم بها المغرب في بعض النزاعات على الصعيد الإفريقي بفعل الثقة التي يحظى بها وعدم تدخله في شؤون الداخلية للبلدان، كما هو الحال بالنسبة للأطراف الليبية، أو الإفراج الأخير عن بعض المحتجزين الفرنسيين في بوركينافاسو. أو تقديم المساعدات الانسانية أو التضامن والتآزر في حال الكوارث الطبيعية كما هو حال بلنسية الإسبانية مؤخراً، أو المبادرات الشجاعة التي يعلن عنها المغرب، وكان آخرها المبادرة الأطلسية. والقائمة تطول وقد استوفت الكلام عنها التحاليل والتقارير المعدة من طرف مختلف وسائل الإعلام في حينها.


ك
ما لم يفت هذه الوسائط التواصلية والمجالس الخاصة من الاحتفاء والثناء على الإنجازات التي تحققت في المجال الرياضي خلال السنة المنصرمة، بالخصوص في كرة القدم الوطنية بكل فئاتها والفوز بتنظيم بعض منافسات الكرة المستديرة على صعيد القارة الأفريقية منها على الخصوص تنظيم كأس الكاف، وإحداث مقر إقليمي دائم للفيفا بمراكش ومقر ثاني للكاف بالمغرب، إضافة إلى فوزه بشرف التنظيم المشترك لكأس العالم مع الجارتين الإيبيريتين إسبانيا والبرتغال. وهو تنظيم ستكون له لا محالة انعكاسات إيجابية وآنية على البلد، إذ بدأنا نشاهد إطلاق مشاريع تنموية على الصعيد الوطني، من تشييد منشآت رياضية جديدة وتأهيل أخرى، ناهيك عن تأهيل وتوسيع مجموع البنيات التحتية من طرق سريعة وسيارة ومطارات وموانئ على كل التراب الوطني. ولعل أبرزها الطريق السريع الذي يربط تزنيت بالداخلة ويبلغ طوله حولي 2000 كلم، ليفتح بذلك المغرب أبواب أفريقيا جنوب الصحراء على مصراعيها. كما سيتم توسيع خريطة القطارات فائقة السرعة لتصل إلى مدن كبيرة من بينها اكادير، ليتم تقليص المسافة الزمنية بينها وبين طنجة في أقصى شمال المغرب على أبواب جنوب أوروبا . ومن المتوقع أيضا تأهيل وتجديد البنية الفندقية بغية تحديثها لتساير الأعداد الآهلة من السياح الذين سيتوافدون على بلدنا لمتابعة فرقهم المفضلة وتشجيعها، وما سيجلبه هذا التنظيم من استثمارات أجنبية ووطنية ضخمة ستساهم بطبيعة الحال في خلق فرص شغل كبيرة وستنعكس إيجابا على تقدم ونمو البلد على كافة الأصعدة.

 

ولن يتأتى هذا بطبيعة الحال دون تأهيل الموارد البشرية بتكوينها على جميع الأصعدة بدءاً باللغات وتقنيات التواصل وحسن الإستقبال والمعاملة، لتكون في مستوى الحدث الذي سيساهم في جلب المزيد من السياح وتلميع سمعة البلد أكثر وجعله من الوجهات المفضلة لكل سائح يعشق سحر الطبيعة والتنوع الثقافي وكرم الضيافة والطقس الجيد. كما يتم أيضا  تداول الارقام القياسية التي حققتها السياحة الدولية بالمغرب السنة المنصرمة، حيث فاقت كل التوقعات وذاك بفضل ما ذكرناه، ولكن أيضا بفضل الإستقرار الذي ينعم به المغرب في محيطه العام، ما جعل منه وجهة آمنة ومضمونة وقريبة من أوروبا ومتاحة بفعل الجسور الجوية  التي تؤمنها شركات الطيران المنخفضة التكلفة والت يأخذت في التوسع لتغطي مدن الصحراء المغربية. وتربط خطوط هذه الشركات كبريات المدن المغربية بوجهات أوروبية لم تكن في السابق متاحة للسائح العادي. وغيرها من الإنجازات التي تحققت خلال السنة، وأكيد أنها ستستمر خلال السنة الحالية والسنوات التي تليها بحكم الاستحقاقات التي يقبل عليها المغرب في أفق 2030.


الكل يهتف باسم
النجاحات التي تحققت، وجميع الجهات والهيآت تدافع عن حصيلتها التي تصفها دائما بالإيجابية حتى لو تبدت لنا غير ذلك أو هزيلة. يستغلون الشاشات والمحطات والفضاء الافتراضي لحشد التأييد والتصفيق للإنجازات ولكل غايته في ذلك. أحيانا من أجل تبرير المنصب  والإستمرار فيه، وأحيانا أخرى لاستثمارها في الانتخابات المقبلة. ونادراً ما نسمع أو نشاهد برامج لا تمجد حصيلة جهة ما أو مسؤول ما في منصب مسؤولية ما، رغم أن الواقع في الكثير من الأمور يوحي بعكس ذلك. وقد يكون من المفيد أيضا تسليط الضوء على ما لم ينجز خلال السنة وإظهار العلة والأسباب. تحتاج هذه الوسائل والوسائط إلى نوع من الجرأة من خلال المصارحة بالنواقص والجهر بالشوائب حتى تكون السنة الجديدة فرصة لتصحيحها أو تصويبها. الصورة الوردية التي يرسمها معظم المحللين أو المسؤولين لا تخدم دائما مصلحة البلاد والعباد. نحن أبعد ما نكون من العالم المثالي الذي يريد البعض أن يرسمه في ذهن المواطنين، وكأن البلاد خالية من الفساد والرشوة والبطالة. وكأن البلاد لا توجد فيها الفوارق الإجتماعية، وكأن الجميع لا يحس بغلاء الأسعار والمعيشة، وكأن تعليمنا بخير ونظامنا الصحي بخير وتعاملنا مع بعضنا في المرافق الادارية والفضاءات العمومية مثالي وجيد. وكأن شوارعنا خالية من جميع أنواع العنف. وكأن تعاملاتنا خالية من الغش والكذب والتحايل والحقد والضغينة. وكأن وعودنا لا تعرف التماطل والتنصل. وكأننا ملائكة. هي فرصة للإطلاع على بعض التقارير التي تصدرها بانتظام منظمات وهيآت حكومية أو غير حكومية وطنياً أو دوليا حول مجالات وقطاعات بعينها، لنقف على مكامن الخلل والعمل على تجاوزها من خلال نهج سياسات ومقاربات أكثر نجاعة وفعالية.   يجب أن ندخل في الحصيلة السنوية مشاكلنا ونواقصنا وآفاتنا وعيوبنا وكل ما يحول دون أن نتقدم إلى الأمام، الأمام الذي يصبو إليه الجميع.

 

يجب على كل فرد، بعيدا عن الحصيلة الرسمية التي يحرص المحللون والأشخاص المعنويون استعراضها في مختلف الوسائل والوسائط التي ذكرناها أعلاه، أن يتوقف ولو قليلا ليستعرض بدوره حصيلته الشخصية السنوية، ويقيمها حق قيمتها، بعيدا عن أي تأثير عاطفي أو تملص من المسؤولية. علينا أن نقدم حصيلة ليس فقط على الصعيد المادي والإقتصادي والذي تتحكم فيه عموما مؤثرات خارجية تتجاوز الكثير منا في الكثير من الأحيان. لكن هناك حصيلة أخرى نحن من ننجزها ونبنيها ونؤسسها ونتحكم فيها، ولدينا 365 يوما للقيام بذلك. علينا ان نستعرض الحصيلة اللامادية التي تشكل رصيدنا الحقيقي، الذي يجعل منا أفرادا فاعلين ومؤثرين في وسطنا ومحيطنا. علينا ان نقيم سلوكياتنا وتصرفاتها. علينا أن ننظر في كيفية تدبير خلافاتنا واختلافاتنا في الرأي والمنطلق والقناعات. علينا أن نقيس مدى تسامحنا وقدرتنا على الحلم والعفو والتحاور وتلمس الأعذار للغير. علينا ان نقيم كيفية تدبر المشترك ونحميه من الفوضى والاستهتار. هذا الفضاء المشترك الواسع والفسيح والذي نتقاسمه كل يوم من قبيل الشارع والحي والحافلة والسوق والمؤسسات. ونحافظ عليه بالنظافة كما لو كانت بيوتنا، واحترام الآخر وإعطاء الأولوية لمن يستحقها وعدم التنابز بالألقاب لأن في ذلك تعد على الاخر وعلى حقوقه واحتقار له واستهزاء به وإهانة لكرامته واستهتار بقواعد التعايش والتآلف الضرورية للتقدم.


يجب على كل فرد أن يقدم حصيلته
بالوقوف عند أخطائه وهفواته حتى لو ارتكبها بحسن نية وبغير قصد. من المفيد ان نقيم حصيلة السنة ضمن منظور عام يتخذ  من مسار الشخص المرجع العام ليضمن استمرارية تصاعدية فيما هو إيجابي وثابت وغير قابل للتغير، ويعلن قطيعة مع العادات والممارسات التي تشوب المسار وتعيق سيره الطبيعي وتضمن انسجاما مع الذات في علاقتها مع معتقدات الشخص وقناعاته، ضمن منظومة مجتمعية متنوعة تضمن تعايشا مرنا وسلسا لكل مكونات المجتمع. لا بد إذن من الوقوف عند هذه التفاصيل و الجزئيات لأنها هي من تحسم في نهاية المطاف في علاقاتنا اليومية مع بعضنا البعض. لا بد من التخلي عن أنانيتنا في الأمور التي نشترك فيها ونجتمع حولها. لا بد أن نراعي أننا لسنا وحيدين في هذا المجتمع و بالتالي كل تصرف لا يأخذ بعين الإعتبار هذا المعطى تجب مراجعته. لابد إذن للمدرسة والبيت والكتاب وخطب الوعظ و الجمعيات ووسائل الإعلام أن تضطلع بدورها التنويري والتربوي والتثقيفي على أركان و مبادىء وأساسيات مراقبة تحركاتنا وسلوكياتنا من أجل تدبير أمثل للمشترك.


يجب أن تكون السنة الجديدة
سنة المراجعات والتغييرات الكبرى لمجموعة من الممارسات التي تكبل كل مسعى التقدم نحو الأمام. وهذا لن يتأتى إلا اذا تولد لدى الجميع الوعي الكافي بها، وذلك بتظافر جهود كل الفاعلين والمتدخلين. آنذاك ستكون السنة الجديدة مختلفة وفاصلة ومفصلية. أما إن بقيت دار لقمان على حالها، فلن يفرق بين السنة القديمة والسنة الجديدة إلا رقم واحد.

وكل سنة وأنتم بخير. أسگاس أمباركي.

استاذ جامعي وكاتب رأي

التصنيف : آراء