20 يونيو 2026 / 01:38

بيت الصحافة

الشعب يتقلى وتبون يتفلى

مارس 30 - 29 ديسمبر 2024

توفيق سليماني

نفس التكتيك ونفس الاستراتيجيات ونفس المصطلحات والكلمات والعبارات، كلها تمتح من نفس المحبرة العسكرية التي لا تكل ولا تمل من البحث في كل مرة عن اختلاق عدو داخلي أو خارجي لإخفاء الفشل في تدبير المشاكل الحقيقية للجزائريين. تحدث رئيس الجزائر، عبد المجيد تبون، اليوم، عن كل شيء ولم يتحدث عن أي شيء. في خطابه أمام ‘نواب الشعب’، وفق تعبير الرئاسة الجزائرية، عبر تبون عن “المنهج الجديد لإدارة الشأن العام وتكريس الحكم الراشد مضيفا أن الخطاب أمام غرفتي البرلمان هو تقدير لممثلي الأمة”. لكن على طول الخطاب لا توجد أرقام أو معطيات تثبت الحكم الراشد، بل مجرد كلام إنشائي موجه للاستهلاك الداخلي أكثر مما هو موجه للخارج.

 

في خطابه أمام البرلمان بغرفتيه بقصر الأمم بنادي الصنوبر، عرج رئيس تبون على ملف الصحراء وفرنسا. ولكن كلامه لم يحمل أي جديد. نفس الأسطوانة تتكرر. نفس المعزوفة العسكرية بقراءة مدنية.

 

بعد التقارب المغربي-الفرنسي ودعم باريس لمغربية الصحراء، تذكر تبون أن “الاستعمار ترك الخراب في الجزائر، وبأن الجزائريين أصحاب حق لن يسقط … وعليهم الاعتراف بتقتيل وذبح الجزائريين، مذكرا بأن الجنرال “بوجو” أباد الجزائريين”. وأضاف تبون: “من يقول تركنا الجزائر جنة، ليعلم أنه غداة الاستقلال 90 % من الشعب الجزائري كان أمّيا” موضحا أنهم “يدّعون الحضارة وفي الوقت نفسه يفتخرون بسلب جماجم على أنها غنائم”. كلام يدغدغ المشاعر لكنه غير مقنع، لأن تبون نسي أن يخبر الشعب أن الجزائريين تصدروا لائحة القتلى غرقا في مياه المتوسط والأطلسي في محاولتهم بلوغ إسبانيا سنة 2024. هذا دون الحديث عن من لقوا حتفهم في مختلف الممرات البحرية والبرية صوب أوروبا. من أصل 9757 قتيلا من 28 بلدا احتل الجزائريون المرتبة الأولى، وفق التقرير الأخير لمنظمة “مشيا على الحدود” (Caminando Fronteras). هذا الكلام لا يستحق أن يسمعه نواب الأمة والشعب.

 

تبون أخبرنا، هو في الحقيقة يخبر نفسه، أن الجزائر كانت تستورد البنزين حتى سنة 2021 بينما اليوم أصبحت تُنتجه بكل أنواعه وبسواعد جزائرية، مضيفا أن بلاده حققت اكتفاء من الطاقة الكهربائية ولديها فائض بـ 12 ألف ميغاواط للتصدير. ولم يجب عن سبب هروب آلاف الجزائريين من الفائض صوب إسبانيا. تبون تعهد بمواصلة رفع القدرة الشرائية خلال هذه العهدة بنسبة 53%، مشيرا بذلك إلى توقعات بارتفاع مداخيل الجزائر من خلال الزيادة في عجلة الإنتاج. من الخطابات السابقة يتوقع فقط زيادة عجلة مداخيل حكام البلد الجار.

 

وفي ظل النجاحات الكبيرة التي حققها المغرب في ملف الصحراء بعد اعتراف الدول الكبرى بمغربية الصحراء، وجد تبون ضالته في تكرار نفس السردية التي لم تعد تثير انتباه الجزائريين أنفسهم. تبون زعم أن فكرة الحكم الذاتي في الصحراء فكرة فرنسية وليست مغربية، قائلا: “نحن على علم بذلك منذ عقود”، مضيفا أن “خيارات الحلول في قضية الصحراء بالنسبة ‘لهم’ تتراوح بين المُرّ والَأمَرّْ، وهي قضية تصفية استعمار، وتقرير مصير”.

 

من الخطاب يشعر الواحد أن تبون يستغبي الجزائريين ويحاول أن يفرض عليهم خوض معركة ليست معركتهم. الرئيس تبون يقول الشيء ونقيضه. فرنسا استعمرت المغرب والجزائر معا؛ والشعبان عانا معا من الاستعمار الفرنسي، وفرنسا كانت السبب في حرمان المغرب من جزء من أراضيه وهي التي تركت مشكل الصحراء الذي يتغذى عليه النظام الجزائري، والذي يحاول من خلاله البقاء في الحكم أكبر وقت ممكن. ولكن تبون لا يجرؤ على إخبار الجزائريين أن نظامه خسر معركة الصحراء ومعركة التنمية، وأن حبل الزعم قصير.

التصنيف : افتتاحية