حاوره محمد أوشن
من قلب الهامش حمل الكاتب عيسى الناصري عدة الكاتب وصعد إلى وليلي الأثرية. هناك سيجد الإلهام الطريق إلى مفكرته، وسيحثه على توظيف الفسيفساء في كتابة عمل روائي يمتح من التاريخ والذاكرة والثقافة. في هذا الحوار سنحفر في ثنايا هذه التجربة الروائية التي تستحق الاحتفاء والتقدير.
في البداية نهنئك بوصولك إلى اللائحة القصيرة للبوكر العربية، وبفوزك بجائزة أفضل كتاب عربي لسنة 2024. حدثنا عن هذه الرحلة.
أشكرك على التهنئة. وأشكر في هذا السّياق لجان الجائزتين على ثقتهم في “الفسيفسائي” باختيارها ضمن القائمة القصيرة في البوكر وتمكينها من التتويج أفضلَ كتابٍ عربيٍّ في مجال الرواية. كانت التجربتان مهمّتين لي ككاتِب يريد لروايته المزيدَ من الانتشار، ولكتاباتِه القادمة، إن شاء الله، المزيدَ من التداول قراءةً ونقدًا.
بالعودة قليلا إلى الوراء، لاحظنا كما لاحظ القراء حضور الهامش في كتاباتك. كيف تفسر هذا الحضور؟
أعتقد أنني كنتُ، في أغلب كتاباتي القصصية الأولى، وفيّا للهامش المغربي العميق، ولا أزال وفيّا له في الكتابة الرّوائيّة. لا بد أن أقرّ هنا بأنّ مشروعي الأدبي انطلق من هذا الهامش؛ مشروع كاتب قادم من الھامش، یحمل صوت الهامش، وبلسانه یتحدث. كاتب يدافع عن المنسیین والبسطاء والناس العادیین، منتصرا للحریة والكرامة الإنسانية والجمال النائم في هذه الرّبوع البعيدة عن المركز. ولا يعني هذا تعصّبا منّي للهامش، بقدر ما هو استجابة لرغبة في تمريرِ رسالة إبداعية إنسانیة لها ارتباط بالإنسان الهامشيّ أينما وُجد في هذا العالم الواسع. وقد أعزو هذا الاتّكاء على الهامش في معظم كتاباتي إلى أنّ هذه الفضاءات البعيدة عن المركز، أماكن ملهمة زاخرة بالمعنى وفيها تَثوي الحكايات. فغالبا ما يُوجد في النهر ما لا يوجد في البحر.
وأنا أقرأ رواية الفسيفسائي، استوقفني توظيفك لتقنيات سردية ما بعد حداثية مثل الكولاج والميتاسرد والسّرد الفسيفسائي. ما هي الإضافة التي تقدمها هذه التقنيات للعمل الروائي؟
أكيدٌ أنّ في الفسيفسائي تأثرا بالوعي الذي أفرزته مرحلة ما بعد الحداثة. ذلك الوعي الداعي إلى التفكيك والتشكيك في منظومة القِيَم وخلخلة النُّظُم والأُسُس الفنّية المستقرّة. فأمام غموض العالم وتشظِّي البُنى الاجتماعیة، ارتكنتُ إلى جمالیات التشظي والتفكیك في تشیید معمار “الفسیفسائي”. وفي سياق ما بعد الحداثة تغيّرَ النظر إلى الإنسان، بحيث صار مجرّد عنصرٍ من عناصر الكون ولیس مركزه، كما كان يُنظرُ إليه في فلسفات الحداثة وما قبلها، لذا لم تعُد ھناك شخصیة البطل الأوحد، فتمّ التخلي عن الشخصیة البطلة وھذا ما سیلاحظه القارى في الفسیفسائي. الكولاج حاضر في الرواية، إذ عمدت إلى إقحام نصوص في ثنایا السرد الأفقي كالتقارير الصحفيّة والأشعار والأغان ووصفات الطبّ النفسي. وللتعبیر عن لا یقینیة العالم والشتات الذي طال معطیات الواقع، فقد اغترفتُ من جمالیاتٍ أخرى كالمیتاسرد، أي السرد الواعي بذاته الذي یكشف لعبة السرد ولعبة الكتابة. هذا إلى جانب السّرد الفسيفسائي الذي ينشأ من خلال تجاور وحدات نصیة قصیرة تبدو ظاھریا مستقلة عن بعضھا، لكنھا تَتَضَامُّ بنائیّا وتتظافَرُ لتشكیل لوحةٍ كبرى. وبخصوص الإضافة التي تقدّمها هذه التَّقانَات، فإلى جانب الوظيفة الجمالية، فهي تضع القارئ في موقِع التشكيل، وتورّطه في إعادة بناء وحدات النّص وترتيبها. ومَنْ منّا لا تستهويه لعبة البازل، فكلّما اتسعت رقعتها وتعقّدت صورُها زاد الرّهان وارتفع منسوب المتعة.
يحضر التاريخ بثقله في رواية الفسيفسائي، لدرجة يعتقد فيها القارىء في بعض الحالات أنه أمام وثيقة تاريخية. كيف تُقارِب هذه العلاقة الملتبسة بين التخييل الروائي والتاريخ؟
أرى أنّ الرّواية التاريخيّة لا تزال تفرض حضورها في المشهد الروائي العربي، ذلك أنّ لهذه الرواية جمهورَها من القرّاء. وأعتقد أن هذا الانكباب عليها راجع إلى ما تحمله من خصوصية إبداعية تفرض على القارئ نوعا من الرّحيل في الزمن وفي الثقافة وفي الحضارة. وأضيف هنا أن هذا النوع الروائي ليسَ مجرّد تسجيل حرفيّ للتاريخ، إنّما هي إعادة كتابةٍ له. وتبقى الحدود بين التاريخ والإبداع مُتحرّكة، ويختلف استحضار التاريخ من مبدع إلى آخر، فهناك من يغلِّب التاريخ في نصّه فيَسقطُ في فخّ التسجيلية، والصنف الآخر يعطي المساحة الأكبر للإبداع مُراوِغا بياضات التاريخ بالتّخييل. ومن ثمّ على الروائي، وهو يقتحم غَيَاباتِ التاريخ، أن يُحاذر الوقوع في التسجيليّة، فهذا تخصّص المؤرّخ. وما عليه فعله هو أن ينتقي من التاريخ ما يُناسب رؤيتَه للعالم، فيعمل على أن يغذّي الجانبَ الإبداعيّ ويقوّيه، لأنّ ما يُبدعه في النهاية مجرد تخييل.
يقول الكاتب المصري أحمد مراد: لو لم أكن روائيا لكنت قاتلا متسلسلا. فداخل كل روائي يسكن قاتل متسلسل يجد المتعة في قتل شخصيات الرواية. ما رأيك في هذا الطرح؟
في نقاش مع نادٍ قرائيٍّ كويتيٍّ اتّهمَتني إحدى المتدخّلات بأنّي القاتل في الرواية، لا لشيء سوى أنني سَلَّمتُ تُهامي الإسماعيلي دفّة السّرد بضمير المتكلِّم. فسلّط عدسة سرْدهِ ووصفه على تفاصيلِ جريمة قتل الكاتبة الأمريكية وعلى بواعِثها النفسيّة الدفينة. فهذه المتدخّلة تفطّنت إلى أن الكاتِب دائما ما يكون وراءَ جرائمه الحبرية التي تذهب ضحيّتَها شخصيّاتُه “البريئة”. ولا يكون هذا الكاتِبُ “قاتِلا” مُحترفا إلّا إذا ما عرف كيف يتلبّس شخصية القاتل، ويتقنّع قناعَه النّفسي وسَيرورَةَ تشكّل نواياه الإجراميّه. هنا ينجح الكاتب في “القتل” إلى حدّ يجعل قارئه يصوّب إليه إصبع الاتهام كما فعلت المتدخّلة التي ذكرتُ. ومن ثمّ ترى أن ما حصل معي هنا، لا يختلف كثيرا عما ذهب إليه أحمد مراد.
كل نص أدبي هو بشكل عام إعادة إنتاج واعية/ لا واعية لنصوص سابقة. ما هي المرجعيات الأدبية التي صنعت عيسى الناصري الكاتب والروائي ؟
دخلت الكتابة من بوابة القراءة، فقد كنتُ قارئا مهما. وأرى أنّه كلّما كانت الأرضية القرائية غنية وتأخذ من كل مجال معرفي بسهمٍ، كلّما اتّسعت آفاق الإبداع أمام الكاتب. هذا مع ضرورة الانفتاح على المنجز الروائي العربي والعالمي والإفادة من تقاناته.