20 يونيو 2026 / 03:03

بيت الصحافة

لكي يكسب المغرب المعركة الجيولسانية في العالم الناطق بالإسبانية

مارس 30 - 27 نوفمبر 2024

توفيق سليماني

 تحولت الجغرافيا إلى عامل رئيس في النظام العالمي الجديد، قيد التشكل؛ أو ما يسميه أهل الإختصاص بـ”عودة الجغرافيا”، وهو الأمر الذي جعل العالم الجديد ‘جيوسياسيا’ بامتياز. فحتى رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، كانت أطلقت في دجنبر 2019 لقب “المفوضيةالجيوسياسية” على ولايتها التشريعية الأولى. والمغرب فهم منذ يناير 2017 أن العالم الجديد ستُهيمن عليه الجغرافيا. لهذا عجَّل بالعودة للاتحاد الإفريقي وتجسير الهوة مع بلدان أمريكا الهسبانية. نجح المغرب في هذاالتكتيك وساعدته الرياح الجيوسياسية الإقليمية والدولية والتي اغتنمها كما يجب.

 

لكن الجيوسياسية وحدها لا تكفي، وتحتاج إلى دعم الجيواقتصادية والجيولسانية وغيرها من المكونات التي يمكن أن تُسهم في التموقع إقليميا ودوليا.

 

هذا التحليل يسعى إلى التركيز على دور الجيولسانية الإسبانية في تقوية التوجه الجيوسياسي للمغرب للدفاع عن مصالحه الحيوية، خاصة ملف الصحراء. ومن المعروف أن المغرب كان شبه غائب في أمريكا اللاتينية قبل سنة 2004 لأنه كان خسر المعركة الجيولسانية، ومنذ 2017 بدأ المغاربة يخلقون نوعا من التوازن، لكن هذا التوازن يحتاج إلى “دفعة جديدة” لحسم هذه المعركة بعد أن حسمت تقريبا المعركة الجيوسياسية.

 

يدرك المختصون في الشأن المغربي-الإسباني-الامريكي اللاتيني أن أكبر وأكثر لغة استعملها ويستعملها الخطاب المعادي للمغرب والسردية الانفصالية هي الإسبانية. كما أن أكثر الناس تعاطفا مع الأطروحة الانفصالية يوجدون في أمريكا اللاتينية وإسبانيا. ويعود السبب، بشكل رئيس، إلى اللسان/ Idioma. بدعم من الجزائر وكوبا وفنزويلا وبعض الجماعات الإسبانية، استثمرت البوليساريو في اللغة الإسبانية، وجعلتها مصدر قوة وتضليل في ظل افتقارها لنظرة أو مشروع مستقبلي جاد وواقعي.

 

هناك ارتباط بين المغرب وإسبانيا منذ قرون. علاقة المغاربة باللغة الإسبانية ليست وليدة اليوم ولا حتى القرن المنصرم. من غير المفهوم أن تتراجع قيمة ومكانة اللغة الإسبانية في المغرب. من غير المعقول أن تصل إلى درجة الاحتضار في بيئة ليست غريبة عنها. ليس من الصواب أن تختفي من المدارس والإعداديات والثانويات والجامعات المغربية العمومية. ليس من المقبول أن يتراجع عدد طلبة اللغة الإسبانية في المغرب ويزداد في الجزائر ودول إفريقية أخرى كانت تهيمن عليها الفرانكوفونية. صحيح أن التوجه الفرنكوفوني يسود، ولكن لا يجب أن يحجب عنا أهمية اللغة الإسبانية والانفتاح على الدول الناطقة بها للدفاع وحماية المصالح الاستراتيجية للمغرب. والأرقام والإحصائيات تؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذه اللغة في الخريطة الجيولسانية والجيوسياسية العالمية.

 

لفهم أهمية اللغة الإسبانية في الخريطة العالمية الجيولسانية نستدل بالأرقام والإحصائيات التي تضمنها التقرير الذي صدر حديثا عن معهد سيرفانتس تحت عنوان “الإسبانية في العالم 2024”. التقرير سجل ارتفاع عدد الناطقين باللغة الإسبانية في العالم، بحيث تجاوز هذه السنة 600 مليون نسمة، علما أن 500 مليون نسمة تُعتبَر الإسبانية لغتها الأم. الإسبانية هي اللغة الأم لـ93,63 في المائة من الناطقين بها. يشكل عدد الناطقين بالإسبانية 7.5 في المائة من سكان العالم. الإسبانية هي رابع لغة قوية في العالم بعد الإنجليزية والصينية والهندية. العالم الهسباني يمثل 9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما أنها تحتل المرتبة الثالثة في تنظيم الأمم المتحدة والرابعة في الاتحاد الأوروبي.

 

كما أنها اللغة الثانية الأكثر استعمالا في الإنتاجات السنمائية ما بين 2007 و2017؛ وهي اللغة السادسة في طباعة الكتب بحيث تمثل 7 في المائة من إصدارات الكتب عالميا. تعتبر اللغة الثالثة التي يترجم إليها عالميا، والسادسة كلغة مُتَرجَم عنها. هي اللغة الثانية في التطبيق الموسيقيSpotify. كل هذه الأمور تدخل في إطار القوة الناعمة Poder blando، والتي يمكن أن نوضفها لصالحنا بدل تركها في يد خصومنا.

 

بل أكثر من ذلك، ارتفع عدد الناطقين بالإسبانية خارج الدول المتحدثة بلسان سيرفانتس إلى 100 مليون نسمة، أغلبهم في الولايات المتحدة الأمريكية. تأثير المتحدثين باللغة الإسبانية في الولايات المتحدة واضح جدا، وخير دليل على ذلك فوز دونالد ترامب بالانتخابات بعد أن سحب اللاتينيون البساط من كامالا هاريس في الولايات المفصلية.

 

اللغة الإسبانية حاضرة بقوة في النظام التربوي والجامعي العالمي، بحيث أن أكثر من 24 مليون شخص في العالم يتعلمونها. أغلب متعلمي الإسبانية يتمركزون في الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل والاتحاد الأوروبي. عدم تمركز تعلم الإسبانية في المغرب يدل على الأزمة العميقة التي تعيشها هذه اللغة في المملكة. وما إحداث الفرع الإفريقي لـ“مرصد اللغة الإسبانية” في غينيا الاستوائية إلا دليل عن تراجع الإسبانية في المغرب. كان بالإمكان تأسيس هذا الفرع في شمال المغرب أو جنوبه، خاصة بعد الموقف الإيجابي للدولة الإسبانية من مغربية الصحراء منذ شهري مارس وأبريل 2022. فيظل غياب سياسة عمومية واضحة يمكن تطبيقها على أرض الواقع، لا يمكن للندوات والمؤتمرات والمنتديات واللقاءات التي تهمش أهل الاختصاص أن تكون تلك الشجرة التي تخفي الغابة. المجهودات الكبيرة التي يقوم بها الأساتذة والباحثون الأكاديميونوالغيورون على هذه اللغة قد تذهب سدى إذا لم تواكبها سياسة حكومية تقطع مع “القول دون الفعل”.

 

الإسبانية لغة رسمية ورئيسة وعامة ومهيمنة في التواصل في 21 بلدا، أغلبهم في أمريكا اللاتينية: المكسيك، كولومبيا، إسبانيا، الأرجنتين، البيرو، فنزويلا، التشيلي، غواتيمالا، الإكوادور، بوليفيا، كوبا، جمهورية الدومينيكان، هندوراس، باراغواي، نيكاراغوا، السلفادور، كوستاريكا، بنما، أوروغواي، بويرتو ريكو، وغينيا الاستوائية (إفريقيا). في هذا العد بدأنا بالدول الحاضنة لأكبر عدد من الناطقين باللغة الإسبانية إلى الأقل. كما أن هذا العد يخص الدول التي تَتخِذُ فيها الإسبانية طابعا رسميا.

 

علاوة على ذلك، تحضر اللغة الإسبانية في أكثر من 28 بلدا ومنطقة في العالم. ورغم القرب الجغرافي والوشائج التاريخية والاجتماعية الضاربة في التاريخ إلا أن المغرب يحتل المرتبة الرابعة من حيث عدد الناطقين بلس انسيرفانتس خارج العالم الاسبانيكي (mundo hispánico). تحتل الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الأولى بـ 57,2 مليون نسمة، متبوعة بالإتحاد الأوروبي بـ 29,3 مليون نسمة (هنا لا تحصى إسبانيا)، متبوعا بالمملكة المتحدة بـ 5 مليون نسمة، متبوعة بالمغرب بـ 1.754.485 ناطق بالإسبانية. فيما تحتل الجزائر المرتبة 11 بنحو 174.749 ناطق بلسان سيرفانتس. التقرير تحدث عن 423.739 ناطق بالإسبانية في مخيمات تندوف. وعليه إذاجمعنا تندوف والجزائر يصل العدد إلى 598.488 ناطق باللغة، وهو الأمر الذي يجعل الجزائر ترتقي إلى المرتبة السابعة عالميا في هذا الصدد.

 

هكذا يتضح أن المغرب لازال يُعتبر الحاضنة الأولى والرائدة للغة الإسبانية في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والعالم العربي، رغم التراجع، إلى حدالاحتضار، الذي تعيش على إيقاعه هذه اللغة منذ أكثر من عقد من الزمن.

 

مع ذلك يحذر التقرير من تقلص قاعدة المتعلمين للغة الإسبانية في المؤسسات العمومية المغربية بما في ذلك الجامعات. صحيح أن الإقبال على الإسبانية ارتفع في المعاهد الإسبانية والمؤسسات الخصوصية بالمغرب، لكن يبقى حكرا على الفئات الغنية أو الطبقة المتوسطة العليا. تدريس اللغةالإسبانية في المعاهد الخصوصية لازال نخبويا ولا ينفد للمجتمع.

 

لا يخفى أن اللغة الإسبانية تعتبر من أكثر الألسن جاذبية في العالم، بحيثأن 24 مليون شخص في العالم يتعلمونها ويدرسونها كلغة أجنبية (هنا لا نتحدث عن المتعلمين في العالم الإسباني حيث تعتبر اللغة رسمية). وهذاالإقبال العالمي على الإسبانية ارتفع بنسبة 2 في المائة في السنوات الأخيرة.

 

المقلق في الأمر هو أن المغرب يحتل المرتبة 15 من حيث عدد المتعلمين للغة الاسبانية بـ 62.258 متعلما، مسبوقا بدول عديدة وبعيدة كل البعد عن إسبانيا وشبه الجزيرة الإيبيرية وأمريكا اللاتينية. هناك دول لا تربطها علاقات ولا وشائج بإسبانيا نجدها تراهن اليوم على لسان سيرفانتس وبورخيس. بلدان بعيدة عن الأندلس وحضارته يتجاوز فيها عدد الدارسين للإسبانية نظرائهم في المغرب. لا نتحدث هنا عن الدول الأوروبية والغربية التي أدركت قيمة هذه اللغة وقدرتها على التأثير في الخريطة الجيولسانية والجيوسياسية في نظام عالمي قيد التشكل، بل عن دول إفريقية شقيقة استشعرت أهمية هذا اللسان. دولةالبنين سُجل فيها (412.515 دارس)، والكاميرون (403.000)، والسنغال (356.066)، والغابون (200.000). فحتى الجزائر تسبق المغرب في هذا المضمار.

 

ونظرا للصراع الجيوسياسي بين المغرب والجزائر في المنطقة ودوليا، سأذكر ببعض تفاصيل “عدد وطبيعة” الدارسين للغة سرفانتيس في البلدين. يوجد في المغرب 62.258 دارس ومتعلم للإسبانية يتوزعون على الشكل التالي: 43.261 في الإعدادي والثانوي والتكوينات المهنية، 1.772 في الجامعات، 12.386 في معاهد سرفانتيس ومعاهد خصوصية أخرى، بينما 4.839 لايعرف أين يدرسون، أغلبهم في مراكز معترف بها أو غير معترف بها في إطار ما يعرف بالدعم في التواصل والساعات الإضافية. صعب تفسير كيف هوى عدد المتعلمين للغة الإسبانية في الجامعة المغربية.

 

في المقابل، يوجد في الجزائر 88.679 دارس ومتعلم للإسبانية، ويتوزعون على النحو الآتي: 40.290 في الإعدادي والثانوي والتكوين المهني، 45.409 متعلم للإسبانية في الجامعة الجزائرية، و2.980 فقط في معهد سيرفانتس وباقي المؤسسات الخصوصية. صحيح أن رقم 45.409 دارس للإسبانية في الجامعات الجزائرية لا يعني أنهم كلهم مسجلون في شعب الدراسات الإسبانية بل يتوزعون أيضا على شعب أخرى. كما أن هذا الرقميشمل شباب مخيمات تندوف الذين يدرسون داخل الجزائر.

 

مع ذلك، يجب أن يدفعنا هذا الفارق الشاسع إلى مراجعة نظرة السياسة العمومية للغة الإسبانية في المغرب. يجب أن تكون هناك “سياسة دولة” بخصوص اللغة الإسبانية لكسب المعركة الجيولسانية. إذا بقي الوضع كما هو عليه الآن سنستيقظ يوما على شعب للإسبانية بالجامعة المغربية بدون طلبة، وربما في المستقبل القريب والبعيد قد نكون أمام مغرب بدون أطر ذات تكوين متين وعميق في الدراسات والثقافة المتعلقة بالعالم الناطق بالإسبانية. ويكفي مقارنة الأمس بالحاضر لإدراك حجم ما ينتظرنا في حالة ما إذا استمر الواقع الحالي الأقرب للمقاربة الفولكلورية منه إلى المقاربة الإستراتيجية.

 

اللغة الإسبانية تلعب دورا مهما في الخريطة الجيولسانية العالمية، ويجب أن نستفيد من هذا الإرث التاريخي، وحتى الاستعماري، لخدمة مصالحنا الاستراتيجية. لا يدعو هذا التحليل إلى الاستقطاب اللغوي؛ كما يرفض أيضا تهميش اللغات والثقافات المحلية. من الضروري تعزيز مكانة اللغتين العربية والأمازيغية. ولكن في نفس الوقت لا يجب ولا ينبغي أن تقل اللغة الإسبانية أهمية عن نظيرتها الإنجليزية والفرنسية في المغرب. 

التصنيف : تحاليل