20 يونيو 2026 / 04:25

بيت الصحافة

تموقع المغرب في أمريكا اللاتينية.. الإكوادور نموذجا

مارس 30 - 24 نوفمبر 2024

توفيق سليماني

تعددت الأسماء والصفات والتوجهات والمشارب والجنسيات، ولكن القصد يبقى واحدا: ممارسة الفعل السياسي والانفتاح على العالم في إطار سياسةرابح رابح“، والمحافظة على التوازن الدبلوماسي بعيدا عن التعصب الأيديولوجي والحسابات السياسية الضيقة. هكذا هو الجيل الجديد من الشباب الذين وصلوا إلى الحكم في بعض دول أمريكا اللاتينية.

يرفض الجيل الجديد من الحكام الشباب في أمريكا اللاتينية أن يبقى حبيس قواعد ناظمة في السياسة الخارجية وضع خطوطها العريضة بعض الزعماء السياسيين في القارة مثل فيدل كاسترو (كوباوهوغو تشافيز (فنزويلاورفائيل كوريا (الإكوادوروإيفو موراليس (بوليفياولوبيث اوبرادور (المكسيكوحاليا غوستافو بيترو (كولومبيا). ذكرتُ بجزء فقط من الزعماء البارزين السابقين والحاليين، لأن هذا الجيل ترعرع وكبر ونشأ مع أفكارهم.

من السلفادور مرورا بالإكوادور وصولا إلى التشيلي؛ يظهر هذا التغيير الجذري بقيادة حكام شباب لايرغبون في معاندة مجرى التاريخ، ولكن يسعون إلى توظيفه ببرغماتية وواقعية لخدمة المصالح الحيوية والاستراتيجية لبلدانهم. أنا لا أتحدث هنا عن الصراعات والاختلافات والإخفاقات والنجاحات الداخلية، بل أمهد لأفهم التحولات البنيوية في السياسة الخارجية لدول أمريكا اللاتينية تجاه المغرب، خاصة حالة دولة الإكوادور بعد تجميد كل علاقاتها الدبلوماسية قبل شهر مع البوليساريو.

قبل التطرق إلى موضوع هذا المقال، المتمثل في الموقف الجديد لدولة الإكوادور تجاه نزاع الصحراء؛ أضرب هنا مثل ثلاثة رؤساء شباب من أمريكا اللاتينية، الذين اختاروا بعد الوصول إلى الحكم توطيد العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، سحب الاعتراف او تجميد العلاقات الدبلوماسية مع البوليساريو، وإغلاق أو شل مقراتها وأنشطتها الدبلوماسية والدعائية في هذه البلدان. طبعا، ندرك الاختلافات الطفيفة التي تفرضها طبيعة ومنظومة الحكم في كل بلد؛ ولكن لا اختلاف في التوجهات الكبرى.

نضرب مثل نجيب بوكيلي في السلفادور؛ عندما وصل إلى الحكم في فبراير 2019، في سن 38 عاما، وكان حينها أصغر رئيس في القارة؛ قرر سحب الاعتراف بالبوليساريو، وعمل على تعزيز العلاقات الثنائية مع المغرب، وتم تعيين سفيرين جديدين في العاصمتين. يمكن القول إن السلفادور تحولت اليوم إلى شريك استراتيجي للمغرب في منطقة الكاريبي. ولا خوف على هذه العلاقات حاليا، لأن بوكيلي يحظى بشعبية كبيرة، ويمسك بزمام الأمور. كما أن الشعب والنخب، في السلفادور، اكتشفوا سردية جديدة قائمة على المصالح المشتركة بعيدا عن الخطابات الطويلة والغارقة في الإيديولوجيا التي جلبتها رياح الثورة الكوبية. رئيس خرج من رحم مواقع التواصل الاجتماعي وينظر إلى العالم بنظارات القرن الحادي والعشرين.

المثل الثاني يجسده الرئيس غابرييل بوريس في التشيلي. وصل إلى سدة الرئاسة في دجنبر 2021، أي في سن الخامسة والثلاثين. كان حينها أصغر رئيس في القارة الأمريكية. خرج من رحم الحركة الطلابية. السفر الى فرنسا في سن مبكرة جعله يفهم وينفتح على الغرب والشرق انطلاقاً من عاصمة الأنوار. صحيح أن بوريس وجد الطريق معبدة في السياسة الخارجية ولم يكن يحتاج لتغييرها. مع ذلك يحسب له أنه حافظ وعزز العلاقات الاستراتيجية مع المغرب ويدعم مخطط الحكم الذاتي. رئيس بهوى اشتراكي يساري يحتكم للعقل في السياسة الخارجية، إلى درجة أنه انتقد سياسة الرئيس مادورو في فنزويلا.

النموذج الثالث، وهو موضوع هذا المقال، يركز على الرئيس الجديد لدولة الإكوادور، مانويل نوبوا، الذي تقلد الرئاسة منذ نونبر 2023. يعتبر أصغر رئيس في القارة (35 عاما). رئيس خرج من رحم عالم الأعمال والبزنيزوالمقاولات. ترعرع في كنف عائلة بورجوازية. يدرك قمة المصالح الاقتصادية والبرغماتية والواقعية في عالم معقد ومتوتر ويتغير بشكل سريع. حقق ما فشل فيه والده. نجح والده ألفارو نوبوا في عالم الأعمال، وفشل في السياسة. وبما أن الفشل بداية النجاح، فقد طبخ على نار هادئة نجاح ابنه.

كان ضروريا أن أضع هذه التوطئة المختصرة لفهم السياق العام والخاص قبل الانتقال إلى تحليل القرار الأخير لدولة الإكوادور، القاضي بسحب الاعتراف بالبوليساريو.

القرار جاء في سياق داخلي صعب في دولة الإكوادور؛ حيث الصراع على أشده من أجل التموقع جيدا بين الحكومة والمعارضة قبل شهور من الانتخابات الرئاسية المتوقعة في فبراير 2025. يجب التذكير أن هذا البلد الأمريكي اللاتيني يعيش على إيقاع الأزمة منذ خمس سنوات؛ وهي الأزمة التي انفجرت مع إعلان الرئيس السابق، غييرمو لاسو، يوم 17 يوليوز 2023، حل الجمعية العامة (البرلمانوالدعوة إلى انتخابات مبكرة؛ وهي الانتخابات التي جرت في غشت من نفس السنة، واحتدم فيها الصراع بين المرشح الشاب اليميني دانييل نوبوا، والمرشحة اليسارية لويسا غونزاليث، الممثلة لتيار الرئيس السابق رفائيل كوريا، المتواجد في بروكسيل، بعد متابعته قضائيا. فاز الشاب دانييل بالانتخابات وعُين رئيسا في 23 نونبر 2023. وسيحكم 18 شهرا فقط، كما ينص الدستور الذي صودق عليه سنة 2008 بعد الاستفتاء. الرئيس الحالي يُتِمُّ فقط ما تبقى من الولاية التشريعية التي انطلقت في ماي 2021. والدستور ينص على أربع سنوات في كل ولاية تشريعية، ويعطي الرئيس حصرا حق تدبير العلاقات الخارجية. الجمعية العامة أو التأسيسية وحتى الحكومة يخضعان لقرارات الرئيس في السياسة الخارجية. وعليه، فإن قرار سحب الاعتراف بالبوليساريو هو قرار دولة.

يبقى هذا القرار شجاعا وجريئا وذكيا في نفس الوقت؛ حيث إنه جاء في عز أزمة الطاقة الكهربائية في الإكوادور. هناك منازل تعيش في الظلام. وفئة عريضة من المجتمع غاضبة من انقطاع الكهرباء. لاحديث في البلد إلا عن الكهرباء. في المقابل، استطاع الرئيس دانييل نوبوا أن يدير هذه الأزمة بعيدا عن ضجيج وسائل الإعلام. حتى المعارضة تتخبط في أزمة؛ حيث تسير وتدار برأسين: رأس لويسا غونثاليث بالداخل، وبأفكار رفاييل كوريا انطلاقا من بروكسيل. وما زاد طينة المعارضة بلة منع الولايات المتحدة الأمريكية، الشهر المنصرم، رفائيل كوريا (2007-2017)، من دخول ترابها بعد أن اتهمته بالتورط في قضايا فساد؛ وهي التهم التي تلاحق من كانوا يشتغلون معه. يرى الإكوادوريون أن الرئيس الحالي يحتاج إلى وقت لتقييم أدائه، ولا يُقَيّم الرئيس على 18 شهرا في الحكم. الحملة الانتخابية غير الرسمية انطلقت، ويمكن للسياسة الخارجية أن تعزز حظوظ دانييل بونوا في الفوز. في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى في العالم؛ لا يمكن الفصل بين السياسة الخارجية والداخلية.  

بغض النظر عما ستحمله فترة ما بعد ماي المقبل، شهر تعيين الرئيس الجديد؛ فإن قرار الإكوادور قطع علاقاتها مع البوليساريو، وتجميد كل أنشطتها الدعائية في البلد؛ يعتبر اختراقا ونجاحا كبيراً للدبلوماسية المغربية، خاصة بعد القرار الأخير لمحكمة العدل الأوروبية، الرامي إلى إلغاء الاتفاقيات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وكذلك بعد الاقتراح القديمالجديد لـستيفان دي ميستورا‘، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، الذي طرح على المغرب والبوليساريو تقسيم الصحراء بينهما؛ وهو المقترح الذي رفضه الطرفان. هذا المقترح خرج من رحم الجزائر في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة وبُعِثَ من جديد، وليس مستبعدا أن تكون فكرة إحيائه خرجت أيضا من الجزائر.

قرار الإكوادور يعزز الديناميكية الدبلوماسية الإيجابية التي واكبت الطرح المغربي في السنوات الأخيرة، القائم على الحكم الذاتي كحل وحيد لحل النزاع. المغرب منفتح على التفاوض على بعض التفاصيل في إطار الحكم الذاتي، كما قال وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة في ندوة صحافية مشتركة مع نظيره الإستوني الشهر الماضي، ولكن لا يقبل أي تفاوض يمس السيادة المغربية على الصحراء. بعد الولايات المتحدة وإسبانيا وألمانيا وفرنسا وهولندا والدنمارك وغيرها من الدول؛ قررت دول إستونيا والإكوادور وبنما التقرب من المغرب.

تكمن أهمية القرار الإكوادوري في كون هذا البلد كان يعترف بالجمهورية الصحراوية الوهمية منذ سنة 1983؛ أي قبل ولادة الرئيس الحالي دانييل نوبوا بكثير. بمعنى أن الطرح الانفصالي عَمّرَ طويلا في هذا البلد الاستوائي؛ نحو 40 عاما. وجب هنا التذكير أن الإكوادور كانت قطعت علاقتها ما بين 2004 و2006 مع البوليساريو ولكن سرعان ما استؤنفت.

صحيح أن القرار سبقته ترتيبات، ولكن المهم أن وزيرة الشؤون الخارجية الإكوادورية، غابرييلا سومرفيلد، قامت بإخبار نظيرها المغربي ناصر بوريطة خلال اتصال هاتفي، بالقرار الجديد. ولو أنه يجب التعامل بحذر مع التطورات الداخلية في هذا البلد، يبقى القرار استراتيجيا للغاية في النظام العالمي الجديد الذي على وشك أن يولد. لا يمكن إنكار ثقل الإكوادور في الساحة الدولية وفي أمريكا اللاتينية، خاصة أن هذا البلد عضو غير دائم في مجلس الأمن، وترأسه في شهر دجنبر المنصرم (2023). كما ترأس أيضًا برلمان الأنديز حتى غشت الماضي. كما أنه بلد فاعل في مجموعة من الهياكل والمؤسسات التشريعية في هذه القارة. بل أكثر من ذلك؛ قامت الحكومة الإكوادورية، بعد اتخاذ هذا القرار، بمراسلة ممثلي البوليساريو في العاصمة كيتو لإبلاغهم بهذا القرار، حسب ما أفادت به مصادر مطلعة لجريدة Mares30.

المراسلة في حد ذاتها لها ما بعدها. وفقا للقانون الدبلوماسي، يحق للحكومة الإكوادورية تجميد نشاطاتها وأنشطة كل أعضاء تمثيلية جبهة البوليساريو في كيتو. وعليه؛ تكون الإكوادور انخرطت في محاربة الانفصالية والانقسام. في الواقع، اختارت الإكوادور أن تحذو حذو البيرو والأرجنتين وتشيلي والبرازيل وباراغواي ودول أخرى في القارة الأمريكية؛ وهو المسار الذي سيؤدي إلى تعزيز العلاقات مع المغرب.

بالنسبة للمملكة، فإن تعليق العلاقات بين الإكوادور وجبهة البوليساريو يعد قرارا ذا أهمية كبيرة. من المعروف أن الإكوادور دولة تتموقع بقوة في الساحة الدولية بفضل الثقل المتزايد لدبلوماسيتها إقليميا ودوليا. كما ذكرنا؛ فإن الإكوادور عضو غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للفترة ما بين2023-2024. الأزمة الداخلية خدشت صورة هذا البلد في السنوات الأخيرة، لكن لازال يحافظ على مكانته ووزنه في القارة. علاوة على ذلك، فقد تم اتخاذ هذا القرار بعد أيام قليلة من صدور قرار مجلس الأمن بشأن قضية الصحراء. إن الإكوادور تعد أيضا عضوا في اللجنة الخاصة المعنية بإنهاء الاستعمار واللجنة الرابعة. الربط بين الأحداث مهم أيضا لفهم القرار.

من المعروف أن الغالبية العظمى من الدول تؤيد مخطط الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب عام 2007. في هذا الصدد، يعزز قرار الإكوادور الديناميكية الإيجابية التي يعرفها هذا الملف في السنوات الأخيرة لتكريس مغربية الصحراء والحكم الذاتي؛ باعتباره الحل الوحيد لهذا الصراع الإقليمي.

القرار الإكوادوري ليس سابقة، ولكنه معزز لهذا الزخم الواضح للمغرب في أمريكا الجنوبية. كل دول هذه البقعة تدعم المغرب ووحدة أراضيه باستثناء كولومبيا والأوروغواي وبوليفيا بقيادة غوستافو بيترو. كولومبيا، دولة وشعبا، تبقى صديقة للمغرب. يحافظ البلدان على علاقات جيدة للغاية. لكن الشيوعي غوستافو بترو قرر، بعد وصوله إلى السلطة في غشت 2022، إعادة العلاقات الدبلوماسية مع جبهة البوليساريو. شخصيا، أعتقد أن العلاقات مع كولومبيا هيعلاقة دولة“. وبمجرد زوال الرئيس بيترو، ستعود المياه إلى مجاريها. تدعم حكومة بيترو جبهة البوليساريو لأسباب إيديولوجية أكثر من أي سبب آخر.

كما لم تعد بوليفيا ورئيسها لويس آرسي يظهران تلك اللهجة العدوانية القديمة ضد المغرب، وكل شيء يشير إلى أن النزعة الانفصالية تتراجع في الأراضي البوليفية بعد سقوط عرابها إيفو موراليس، الذي قد ينتهي به الأمر في السجن بتهمة الاعتداء الجنسي والاتجار بالقاصرين.

تُعتبر الأوروغواي حالة خاصة، لأن الحرس القديم المتحكم في دواليب الدولة يواصل الدفاع عن جبهة البوليساريو لأسباب إيديولوجية. مع ذلك، بدأت رياح التغيير تهبّ. كما أن الجيل الجديد في الأوروغواي لا يكل من دعوة السياسيين للانفتاح على العالم والدفاع عن مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية.

بشكل عام، يفتح القرار الجديد للرئيس دانييل نوبوا صفحة جديدة في العلاقات الثنائية بين المغرب والإكوادور. أكثر من ذلك، يعلن ميلاد مرحلة جديدة مشرقة مع دول أمريكا اللاتينية. قد نشهد في الأيام المقبلة استقبال سفيرة المغرب في كولومبيا والإكوادور، فريدة لوداية، من قبل الرئيس الإكوادوري. وربما يعين المغرب سفيرا جديدا مستقرا في العاصمة كيتو والعكس صحيح. هي صفحة جديدة تُفتح، كما فتحتها دولة بنما التي قطعت هذا الأسبوع علاقاتها مع البوليساريو. لم أتطرق لقرار بنما لأنه سيكون موضوع التحليل المقبل. 

كما يقول الشاعر الأمريكي اللاتيني والعاشق للمغرب، إميليانو بينتوس، في بيت شعري جميل: “ليس هناك أسوأ من العناد“. فَهِمَ قادة أمريكا اللاتينية والإكوادور أنه ليس هناك أسوأ من معاندة مجرى التاريخ والديناميكية الدولية؛ وفَهِمَ المغاربة، كذلك، أن منطقة أمريكا اللاتينية مهمة استراتيجيا وجيوسياسيا؛ ويبقى أن نفهم أكثر أن اللغة الإسبانية سلاح فتاك، إن أحسن استعمالها، سنسحب من الخصوم السلاح الذي استعملوه ضدنا لعقود في بلاد تشي كيفارا، ومارادونا، ونيرودا وماركيز وميسي.

مدير نشر Mares30 وباحث في الشؤون المغربية الإسبانية والأمريكولاتينية 

توفيق سليماني
التصنيف : أمريكا اللاتينية تحاليل