الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
السيد رئيس برلمان البحر الأبيض المتوسط؛
السيدة والسادة الوزراء ؛
السيد نائب رئيس مجلس النواب بالمملكة المغربية؛
السيد رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب؛
السيدات والسادة رؤساء مجالس الشيوخ والبرلمانات الوطنية والاتحادات البرلمانية الإقليمية والقارية والوفود المشاركة؛
السيدات والسادة ممثلو الشبكة البرلمانية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي؛
السيدات والسادة ممثلو المنظمات الدولية والقطاع الخاص؛
ضيوف المملكة الأفاضل، أيها الحضور الكريم؛
يسعدني في البداية أن أرحب بكم جميعا في الدورة_الرابعة لمنتدى مراكش البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورو-متوسطية والخليج، المنعقدة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، تجسيدا للعناية السامية الموصولة التي ما فتئ جلالته حفظه الله، يوليها للدبلوماسية البرلمانية، وللفضاء الأورو-متوسطي، وامتداداته الإفريقية والأمريكولاتينية، باعتباره مجالا للتضامن والاستقرار، والتكامل الاقتصادي، والحوار بين الثقافات، ورافعة عملية لخدمة التنمية المشتركة ومصالح الشعوب.
والأكيد، أن برنامج هذه الدورة ليعكس في حد ذاته، نضج المسار الذي قطعه المنتدى واتساع الآفاق التي بات يستشرفها.
ولعل ما يمنح هذه الدورة خصوصيتها ويجعلها محطة متميزة في مسار منتدى مراكش البرلماني الاقتصادي، أنها تقوم على أربع مرتكزات كبرى تعكس نضجه واتساع آفاقه.
أولها الريادة؛ فقد استطاع المنتدى، دورة بعد أخرى، أن يرسخ مكانته كمرجعية إقليمية للحوار البرلماني الاقتصادي الرصين، وكفضاء جامع للمشرعين والفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين والأكاديميين ، بفضل ما راكمه من شراكات متينة، وما يحظى به من دعم ومواكبة، خاصة من برلمان البحر الأبيض المتوسط.
وثانيها الانفتاح، إذ تعكس هذه الدورة قدرة المنتدى على توسيع دوائر الحوار، من خلال إدراج البعد الإفريقي ضمن أجندته، انسجاما مع الرؤية الاستراتيجية للمملكة المغربية، ولا سيما في ما يتصل بتعزيز الاندماج الاقتصادي الإفريقي، والتعاون جنوب–جنوب، واستشراف آفاق المبادرة الأطلسية الملكية لفائدة دول الساحل.
أما المرتكز الثالث فهو صناعة الأثر؛ ذلك أن طموح المنتدى لا يقف عند حدود التشخيص وتبادل وجهات النظر، بل يتطلع إلى بلورة مبادرات عملية وشراكات قابلة للتنزيل، قادرة على إحداث أثر ملموس ومستدام في السياسات العمومية ومسارات التنمية والتكامل الاقتصادي.
وتأتي المَـأْسَسَة كمرتكز رابع، ليتوج هذا المسار، من خلال الارتقاء بالمنتدى إلى منصة دائمة للحوار والتنسيق، مدعومة بآليات حكامة تضمن استمرارية الاشتغال بين الدورات.
وفي هذا السياق، يشكل التوقيع على الإعلان المشترك بين مجلس المستشارين وبرلمان البحر الأبيض المتوسط إطارا مرجعيا لتعزيز التقارب التشريعي، وتحفيز الاستثمار، وتوطيد التكامل الاقتصادي في فضائنا المشترك.
السيدات والسادة
ولئن كانت منطقتنا تمتلك من المقدرات ما يكفي لأن تكون فاعلا مؤثرا في عالم اليوم، الموسوم بالاضطراب واللايقين، فإن هذه الإمكانات لا يمكن أن تترجم إلى واقع ملموس ما لم تسندها إرادة سياسية قوية، ملتزمة بمزيد من التنسيق والتكامل وتدعيم أسس التنمية المشتركة.
وتجسيدا لهذا الأفق الطموح، تضطلع المملكة المغربية، بدور استراتيجي يجعل منها حلقة وصل حيوية بين مختلف هذه الفضاءات، باعتبارها دوائر متكاملة لمجال تتقاطع فيه المصالح، وتتضاعف فيه فرص خلق القيمة المشتركة، وفق منطق رابح – رابح:
فعلى المستوى الأورو-متوسطي، راكمت المملكة شراكة استراتيجية متقدمة مع الاتحاد الأوروبي، انطلقت باتفاقية التبادل الحر سنة 1996، وتعززت بالوضع المتقدم سنة 2008، إلى “الشراكة الأورو – مغربية من أجل الازدهار المشترك” التي أطلقت سنة2019 ، بما أتاح اندماجا متزايدا للاقتصاد المغربي في سلاسل القيمة الإقليمية، وجعل المغرب، حسب تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، من أكثر اقتصادات المتوسط انخراطا وتنافسية ضمن هذه السلاسل.
أما الشراكة المغربية – الخليجية، فقد تجاوزت منطق العلاقات الثنائية التقليدية، لتغدو رافعة للتعاون العابر للأقاليم، مستندة إلى الثقة السياسية والمصالح المتبادلة، ولاسيما في قطاعات واعدة من قَبِيل الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، حيث تتكامل القدرات الاستثمارية الخليجية مع مؤهلات المملكة وموقعها ومنظومتها اللوجستية.
وفي بعدها الإفريقي، فقد أضحى التعاون الإفريقي مجالا للتمكين المتبادل والاستقرار والازدهار المشترك، وهو ما يجد ترجمته في كل المبادرات الملكية الافريقية سواء تعلق الأمر بالمبادرة الأطلسية أو بمشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، ومبادرة تكييف الفلاحة الإفريقية، بما يعكس حرص المغرب على تحويل مقدرات القارة إلى رافعة فعلية للتنمية المشتركة.
السيدات والسادة؛
إن المحاور الاستراتيجية الأربع التي سيناقشها منتدانا على مدى هذين اليومين، يجمعها خيط ناظم وواضح؛ ذلك أن انحسار التجارة، وتفاقم المديونية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأزرق، ليست سوى تجليات مختلفة لسؤال واحد، يحيل على مدى قدرة برلماناتنا على للمساهمة في بناء منظومة إقليمية تحول تحدياتنا المشتركة إلى فرص مستدامة للتنمية والازدهار؟
فحين نَسُنُّ تشريعات تضمن الانضباط المالي – على غرار “القاعدة الذهبية” في القانون التنظيمي للمالية المغربي – نبني جدارا واقيا ضد دوامة المديونية؛
وحين نصادق على اتفاقيات التبادل الحر، لا نفتح أسواقا فقط بل نهيئ شروط نقل المعرفة والتكنولوجيا؛
وحين نضع أُطُرًا قانونية توازن بين الاستغلال المستدام للبحار وحماية التنوع البيولوجي، نحصن مصدرا مُسْتَقبليا من مصادر النمو والشغل؛
وحين نُؤطر طفرة الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، نضمن تحويلها إلى روافع للتنمية بدل أن تصبح مصدرا للفوارق والهشاشة.
وفي هذا السياق، يؤكد مجلس المستشارين بالمملكة المغربية انخراطه التام والملتزم في تنسيق الجهود واتخاذ المبادرات التشريعية والعملية الكفيلة بتنزيل هذه الرؤية الجامعة على أرض الواقع؛ وهو التزام يستمد قوته الترافعية والعملية من الخصوصية الدستورية المتفردة للمجلس، التي تمزج بشكل خلاق بين الأبعاد الترابية والاقتصادية، وتتيح له مرونة عالية لمواءمة القوانين مع تحولات الأسواق، ومواكبة ديناميات التنمية المعاصرة.
كما يضع المجلس كل إمكاناته، ورصيد علاقاته الدولية، لاسيما من خلال رئاسته لرابطة مجالس الشيوخ والشورى والمجالس المماثلة في إفريقيا والعالم العربي، وجمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا، ومنتدى الحوار البرلماني جنوب – جنوب، لمد جسور التواصل، ليكون فضاؤنا المشترك فاعلا مؤثرا في هندسة المنظومة الاقتصادية الجديدة.
وفي الختام، أجدد ترحيبي بكم في بلدكم الثاني المغرب، متمنيا لأعمال هذه الدورة كامل التوفيق والنجاح في بلورة توصيات وحةحومبادرات عملية ترتقي إلى مستوى تطلعات برلماناتنا وشعوبنا نحو التنمية والرفاه والاستقرار.
شكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.