تقرير: مارس 30- بني ملال
في معرض مداخلته بعنوان “حوار الأديان في التجربتين المغربية والاسبانية“ ضمن فعاليات المؤتمر الدولي “الحوار بين الأديان نحو أخوة إنسانية مشتركة” الذي احتضنته كلية الاداب ببني ملال، بشراكة مع سفارة المملكة في إسبانيا، ومعهد الأديان في جامعة كومبلوتينسي مدريد، أشار الدكتور محمد واحمان إلى أن الحوار بين الأديان لم يعد ترفًا فكريًا أو خيارًا نظريًا، بل أصبح ضرورة حضارية تمليها التحديات المشتركة التي تواجه العالم المعاصر، خصوصًا في ظلّ تصاعد خطابات الكراهية والإسلاموفوبيا في الفضاء الأورومتوسطي.
وأوضح الباحث والصحافي أن الضفتين الغربية والجنوبية للمتوسط شكّلتا، عبر التاريخ، فضاءً حيويًا للتفاعل بين المسلمين والمسيحيين واليهود، وأن تجربة الأندلس كانت النموذج الأرقى لذلك التعايش الحضاري، حيث انصهرت فيها الثقافات وتداخلت المعتقدات دون أن تذوب الخصوصيات.
الأندلس: ذاكرة التعايش الإنساني
أبرز الدكتور واحمان أن المجتمعات الأندلسية جسّدت نموذجًا عمليا لما يمكن أن يكون عليه الحوار الحضاري في أبعاده الثقافية والروحية. واستشهد بما أورده المستعرب الإسباني خوليان ريبيرا (1935) من أن “تعايش المسلمين والمسيحيين واليهود لقرون طويلة أفرز لغة وثقافة مشتركة”، وبما قاله المؤرخ اليهودي هاينريش غرايتس (1891) من أن الأندلس كانت “نموذجًا لاندماج اليهود في مجتمع متعدد الديانات دون فقدان هويتهم“.
وأشار كذلك إلى أن المؤرخ الفرنسي جان بيير دي فلوريان(1791) أكد أن المسلمين سمحوا للشعوب التي فتحوها بالاحتفاظ بكنائسهم وعباداتهم، ما يعكس عمق التسامح الذي طبع تلك الحقبة.
من التجربة الأندلسية إلى الدبلوماسية الحديثة
وفي تحليله للعصر الحديث، شدّد الدكتور محمد واحمان على أن المملكتين المغربية والإسبانية واصلتا هذا النهج الحضاري عبر مبادرات فكرية ودبلوماسية تروم تعزيز ثقافة السلام، انسجامًا مع ما دعا إليه الفيلسوف الألماني هانس كينغ(Hans Küng) حين قال: “لن يكون هناك سلام بين الأمم ما لم يتحقق السلام بين الأديان، ولن يكون هناك سلام بين الأديان ما لم يكن هناك حوار بين أتباعها.”
وأكد الباحث أن المغرب تبنّى نموذجًا دينيًا فريدًا قائمًا على الوسطية والاعتدال، تُجسده مؤسسات رائدة مثل معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين، الذي يستقبل طلبة من إفريقيا وأوروبا، والرابطة المحمدية للعلماء التي تعمل على تجديد الخطاب الديني ومواجهة التطرف بأساليب علمية.
الحوار كقيمة إنسانية
وأوضح واحمان أن الحوار الديني لا يعني التنازل عن العقيدة أو تذويب الاختلاف، بل هو، في جوهره، اعتراف متبادل بالكرامة الإنسانية واحترام للتنوع. إن الحوار الديني يقوم على التفاعل البنّاء بين أتباع الديانات المختلفة من أجل تعزيز الفهم المشترك دون المساس بعقائد أحد.
السياق الإسباني المعاصر: تحديات وصور متجددة
وانتقل الباحث إلى الحديث عن السياق الإسباني المعاصر، حيث أشار إلى أن دستور 1978 جعل من إسبانيا فضاءً للتعددية الدينية، غير أن الصور النمطية القديمة ما تزال تلقي بظلالها على الواقع الاجتماعي. ونقل عن الباحث الإسباني خواكين إيغورين (Eguren, 2011) قوله إن “الجالية المغربية في إسبانيا تلعب دور الوسيط الثقافي بين المجتمعين، لكنها تواجه تحديات الاندماج وتمثلات الخوف“.
كما أبرز أن الأمثال الشعبية مثل «Hay moros en la costa» تعبّر عن ذاكرة تاريخية ترى في “المسلم” أو “المغربي” مصدر تهديد، وهو ما يجعل الحاجة إلى الحوار أكثر إلحاحا لنزع جذور الخوف وبناء الثقة المتبادلة.
التحديات الراهنة وفرص النجاح
وأبرز الدكتور واحمان أن الإسلاموفوبيا لا تزال تمثّل إحدى العقبات الكبرى أمام ترسيخ التعايش، إذ تتغذى من رواسب الماضي ومن تسييس قضايا الهجرة والهوية في أوروبا.
كما أشار إلى تحديات أخرى، مثل بعض القيود على الممارسة الدينية، وصعوبات بناء المساجد والمقابر، واستمرار الصور التاريخية المشوّهة المتوارثة عن العصور القديمة ومحاكم التفتيش.
وفي المقابل، شدّد على أن المرأة المسلمة أصبحت اليوم فاعلة في الدفاع عن قيم المواطنة والانفتاح، وأن الخطاب الإعلامي يجب أن ينتقل من تضخيم الاستثناءات إلى إبراز المشترك الإنساني.
نحو حوار مؤسساتي مستدام
ودعا الباحث المغربي محمد واحمان إلى تأسيس مركز مغربي–إسباني دائم للحوار الديني والأكاديمي، وإطلاق برامج شبابية مشتركة في مجال الترجمة والإبداع والإعلام، إلى جانب إعادة قراءة الذاكرة الأندلسية باعتبارها ذاكرة إنسانية مشتركة لا ذاكرة صراع أو غلبة. كما شدّد على ضرورة تعزيز الدراسات الإسبانية في المغرب، باعتبار اللغة الإسبانية رافعة أساسية للتفاهم المتبادل ومجالا خصبا لترسيخ الحوار الديني بين المملكتين.
الأخوّة الإنسانية كخيار حضاري
وأنهى الباحث في حوار الأديان مداخلته بالتأكيد على أن الحوار بين المغرب وإسبانيا يشكل خيارا استراتيجيًا لتعزيز السلم الأهلي والتفاهم بين الشعوب، وأن الذاكرة الأندلسية يمكن أن تكون جسرا لخلق وعي مشترك قائم على الاحترام والتعارف.مبرزا أن المغرب يبرز اليوم نموذجا في الدبلوماسية الروحيةالتي تجعل من الدين رافعة للتعاون لا وسيلة للصراع، مستشهدا بالآية الكريمة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
واختتم الباحث المغربي كلامه بالتأكيد على أن المغرب وإسبانيا يجمعهما مصير إنساني مشترك، وأن الاختلاف بينهما “ليس حدودا للفصل، بل حدودًا للتعارف والتكامل”. وذكّر بما كشفته الأزمات الأخيرة من تضامن عملي بين البلدين، سواء في زلزال الحوز أو فيضانات بلنسية أو حرائق جنوب إسبانيا، حيث قدّم المغرب عناصر من الوقاية المدنية وطائرات الكنادير لدعم جهود إخماد الحرائق، فيما تطوّع شباب مغاربة مقيمون في إسبانيا لمساندة المتضررين. وهي وقائع اعتبرها الباحث تجسيدًا حيًّا لروح الأخوّة الإنسانية والحوار الديني بين المملكتين.