حاوره توفيق سليماني
ترجمة: د. محمد الشاربي
استقبلت مدينة الدار البيضاء، مؤخرا، الممثل الكتالوني سيرجي لوبيز بمناسبة تقديم العرض التمهيدي لفيلم “صراط” للمخرج الفرنسي-الإسباني أوليفر لاكس، وهو فيلم جديد صُوّر في جنوب المملكة المغربية، ويمثل إسبانيا حاليًا في جائزة الأوسكار لأفضل فيلم روائي دولي. يتمتع فيلم “صراط” بسجل دولي حافل، حيث حصل على عدة جوائز كبرى ومرشح للفوز بجوائز أخرى.
فيلم “صراط” يروي قصة أب يصطحب ابنه في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر جبال جنوب المغرب بحثًا عن ابنته المفقودة التي اختفت منذ أشهر خلال إحدى الحفلات الصاخبة، فيجدان أنفسهما في مهمة بالغة الصعوبة.
يُعد فيلم “صراط” تجربة سينمائية فريدة تستكشف مفاهيم الحزن، الفقد والبحث عن الذات في عمق الصحراء المغربية.
“صراط” ليس مجرد فيلم عن الفقد، بل هو تأمل في الحياة الروحانية، والمجتمعات التي تسعى للعيش خارج إطار النظام الرأسمالي.
في حوار طويل وشيق مع جريدة “مارس30”, أشار بطل الفيلم، سيرجي لوبيز، إلى أن اختيار المغرب لتصوير الفيلم لم يكن صدفة. كما أوضح أن مخرج الفيلم، أوليفر لاكس، تربطه علاقةٌ وثيقةٌ بالمغرب، حيث عاش لسنواتٍ طويلةٍ وصوّر جزءًا كبيرًا من أعماله السينمائية في هذا البلد. ويصف لوبيز هذه العلاقة بأنها “روحانية”، مُرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بالطبيعية والثقافة والإسلام، وهي عناصر حاضرةٌ بقوة في فيلم “صراط”، بدءًا من المكان وصولًا إلى العنوان نفسه.
يبرز لوبيز أيضا أن الصحراء المغربية ليست مجرد خلفية، بل هي شخصية تجبرنا على النظر إلى الخارج والداخل معًا، فضاءٌ يكتسب فيه الألم والبحث والكشف معنىً ساميًا. فالغبار والجبال والرمال ترافق تحوّل الشخصيات، محولةً الرحلة السينمائية إلى مسارٍ داخلي.
وأكد أن عنوان الفيلم مستقى من كلمة “صراط” بمفهومها القرآني. كما تحدث عن أمور أخرى كثيرة ومهمة. نترككم الآن مع الحوار الكامل.
— بداية، مرحباً بك. لدي سؤال حول عنوان الفيلم. ماذا يعني هذا الاسم، “صراط”، بالنسبة للفيلم وهل هو مستوحى من العربية؟
— كما تعلمون، في القرآن الكريم، كلمة “الصراط” تعني الطريق إلى الجنة، طريق يمر فوق نار جهنم، مليء بالمنعطفات غير المتوقعة. وهذا الفيلم يحاول تجسيد هذا المعنى، بطريقة أو بأخرى، دون الكشف عن التفاصيل: رحلة تشبه الحياة، مليئة بالمنعطفات، حيث تحدث أمور غير متوقعة. تبدأ كمغامرة، لكن في النهاية، الفيلم هو الرحلة نفسها، أي ذلك الصراط. إنها رحلة أب مع ابنه، بحثا عن ابنته، ورفقة الأشخاص أيضا الذين يلتقون بهم ويشكّلون معهم عائلة غير متوقعة.
— لماذا تم اختيار المغرب تحديدا، وخاصة الجنوب، لتصوير هذا الفيلم؟
— هذا السؤال طُرح مرارًا على مخرج الفيلم، أوليفر لاكس. لقد عاش في المغرب لسنواتٍ عديدة، رغم أنه وُلد في فرنسا ويعيش الآن في غاليسيا (إسبانيا). لديه ارتباطٌ وثيقٌ بالمغرب، بالأرض، بالصحراء، وبالشعب المغربي. لقد صور فيلمًا آخر هنا، وهو فيلم “ميموزا”. لذا، كان من المحتوم، بالنسبة لي، أن تدور أحداث أفلام أوليفر في الصحراء المغربية، وخاصة هذا الفيلم.
—هل تشعر بلمسة المخرج الذاتية في الفيلم؟ هل لمست هذا الأمر؟
—نعم، بكل تأكيد. أوليفر هو مخرج مميز للغاية. تربطه علاقة عميقة، تكاد تكون روحانية، بأعماله وبالرحلات التي تمثلها أفلامه. أعتقد أن هذا مرتبط بعلاقته الروحية مع المغرب والإسلام. هذا واضح جدًا في فيلم “صراط”، ولهذا السبب يُعدّ العنوان مناسبًا جدًا. تعتبر هذه المغامرة روحانية أيضًا.
—بصفتك بطل الفيلم، كيف كانت تجربتك في العيش وسط تلك الطبيعية؟ ما هو دور الصحراء في أدائك داخل الفيلم؟
—المناظر الطبيعية في هذا الفيلم ليست مجرد شخصية؛ بل هو شيء جميل جد وآسر. أنت تعرف ذلك. كنت أسير في الصحراء مع فريق العمل، على بُعد مئات الأمتار. لقد ألهمتني تلك التجربة حقًا لأداء دور لويس، الذي يعاني ألمًا شديدًا، من أصعب اللحظات التي قد يمر بها أي إنسان. كل شيء كان يصب في صالحي ويساعدني: الغبار، الجبال، الرمال،… هنا استحضر عبارة جميلة قالها أوليفر: “في الصحراء لا يوجد أي أفق، لذا لا يمكنك إلا أن تنظر نحو الإله أو إلى داخلك”. وهكذا كان الأمر: لقد ساعدتني طبيعة المكان بشكر كبير.
— حقق الفيلم نجاحًا عالميًا هائلًا، لكن في المقابل كانت هناك بعض الانتقادات، خاصةً بسبب بعض المشاهد القاسية. كيف تعلق على هذا الأمر؟
— ذلك لأن أوليفر أراد من خلال هذا الفيلم فسح المجال للتأمل في الذات، والتفكير في الموت، وهذا لا يروق لبعض الأشخاص. نحن نعيش في مجتمع غربي “يخشى الموت” بشدة، مجتمع يرفض الموت. هناك من لا يرغبون في الذهاب إلى السينما حتى لا يشعروا بأشياء مؤلمة. لكن بالنسبة لي، هذا هو دور السينما، بمعنى أن تخلق مجالا للتفكير. قال لي بعض الأصدقاء: “لم يعجبني الفيلم، إنه قاسٍ للغاية”، لكن بعد أسبوعين يتصلون بي مرة أخرى… لأنهم ما زالوا يفكرون في الفيلم. هذا يعني أنه أثر في الجميع.
—هذا يعني أن تلك الانتقادات هي نتيجة طبيعية للنجاح؟
—بالتأكيد. أسوأ ما يمكن أن يحدث في عالم السينما هو عدم التأثير في أي أحد. عندما يغيب التفاعل، فهذا يعني أن الفيلم لم يُقدّم شيئًا يذكر. استطاع فيلم “صراط” أن يخلق تأثيرا في الجميع: أحيانًا يُثير الغضب، ويُحرك الأمور، ويتطرق إلى قضايا مهمة. أعتقد أن هذا الأمر رائع جدا.
— لماذا كانت الرحلة نحو الجنوب ولم تكن مثلا نحو الشمال أو الغرب أو الشرق؟ كيف يمكننا تأويل ذلك؟
—لا أعرف السبب بالضبط، لكن يمكننا طرح هذا السؤال على أوليفر ربما يمتلك الجواب. أعتقد أنه أراد بذلك أن يكسر فكرة أنه في الشمال توجد الجنة. هنا يضع الجنة في الجنوب. إنها رحلة مختلفة تماما. ليست رحلةً نحو الراحة والاستمتاع، بل يتعلق الأمر برحلة نحو الكشف والتدبر، أي نحو ذلك الفردوس الداخلي الذي قد نجده في الجنوب.
— بالإضافة إلى التطرق إلى موضوع الموت، يهدف الفيلم إلى إيصال رسالة إنسانية وعائلية. يُقال إن الروابط الأسرية اليوم تعتبر ضعيفة وهشة، لكننا نرى في الفيلم أبًا برفقة ابنه الأصغر يبحث عن ابنته، مستعدًا للمعاناة وخوض مغامرات صعبة جدا وسط الصحراء. هذا يدل على أن الأسرة لا تزال متماسكة، إلى حد ما.
— نعم، بالطبع. الروابط الأسرية موجودة وواضحة. الدافع الرئيسي بالنسبة لشخصية لويس هو العثور على ابنته التي لم يرها منذ خمس سنوات. هذا هو الدافع والمحرك بالنسبة له. ثم هناك الحياة. هذه الرحلة التي تجعل العائلة لا تختزل فقط في الأقارب، بل تشمل أيضًا أولئك الذين نلتقيهم في الطريق ويشاركون معنا الألم. تتشكل هذه العائلة العفوية بين هؤلاء المغنيين (فن الراب) وهذا الرجل التائه في الصحراء.
— فيما يخص الجوائز، فاز الفيلم بجائزة في مهرجان كان السينمائي، ومرشح أيضا لجائزة غولدن غلوب، وهذا الفيلم يمثل إسبانيا كذلك في جوائز الأوسكار.
— نعم. يُمثل الفيلم إسبانيا منذ شهر. والآن، ينبغي اختياره ضمن الأفلام الخمسة المتأهلة للتصفيات النهائية التي ستتنافس في جوائز الأوسكار. كما أُعلن عن ترشيحه لجائزة غولدن غلوب. وهو مرشح أيضاً لجوائز أوروبية في عدة فئات: أفضل فيلم، أفضل سيناريو، أفضل ممثل، أفضل موسيقى تصويرية، أفضل إنتاج،… نتلقى عن الفيلم أخباراً سارة باستمرار. هناك شيء مميز يحدث في القاعات، والجمهور والصحافة وصناعة السينما يلاحظون ذلك. سنرى ما سيحدث مع الجوائز. إن فزنا بها، فهذا رائع؛ وإن لم نفز، فلن نيأس أبدا، لأن ما يحققه هذا الفيلم الآن يُعدّ معجزة في حد ذاته.
— هل كنتم تتوقعون كل هذا النجاح؟
— كنا نتمنى دائمًا أن يحقق الفيلم نجاحًا، لكننا لم نتخيل أن يكون بهذا القدر. أنا عادةً أثناء الإشتغال في عمل معين لا أفكر في الجوائز، لكن هذا الفيلم فاق توقعاتنا. في القاعات يحدث شيء مؤثر للغاية: بعد العروض التجريبية، عندما كنا نتحدث مع الجمهور، نجد صمتًا عميقًا، ودموعًا تنهمر عند مغادرتهم… كنا نعلم أنه قد يكون مؤثرًا، لكننا لم نتوقع كل هذا التأثر الكبير.
— في الأصل، هو فيلم فرنسي-إسباني، لكن المغرب حاضر أيضا بقوة. تم تصوير أحداث الفيلم في المغرب، وجزء كبير من فريق العمل هو من المغرب أيضا…
— نعم. كما أن فلسفة الفيلم تحمل أيضًا شيئًا من المغرب. إنّ طريقة سرد هذه القصة تحمل روحًا مغربية. فرغم أن المخرج فرنسي من أصل غاليسي (غاليسيا)، إلا أنه يشعر بأنه مغربي تقريباً. فقد عاش هنا لسنوات طويلة، ويتحدث بحب كبير عن المغرب والمغاربة، ويشعر وكأنه في وطنه.
— دعنا ننتقل إلى الحديث عن تجربتك الشخصية. وصلتَ إلى مدينة الراشيدية، حيث بدأت المغامرة. كيف كانت علاقتك وتواصلك مع سكان المنطقة ومع الحياة اليومية في المغرب؟ كيف تصف طبيعة المكان؟
— إنها طبيعة تجسد الواقع، حيث هناك نظرة مباشرة متبادلة… يتميز الناس هناك بالبساطة والتواضع وحسن الضيافة والاستقبال. عندما تصل إلى بلد لا تعرفه، يكون هناك دائمًا بعض التردد، لكننا شعرنا بحفاوة بالغة. كان معظم أعضاء فريق العمل من المغرب. عشنا في الصحراء لمدة أربعة أسابيع، وتجولنا عبر مجموعة من القرى، وعاملنا الناس هناك معاملة طيبة. إنهم شعب مضياف بما تحمله الكلمة من معنى.
— هل هناك من طرائف وقعت أثناء تصوير الفيلم؟
— نعم. في أحد الأيام، وفي غضون ساعات قليلة، باغتتنا عاصفة رملية وأمطار رعدية. عند نهاية الفيلم، قبل تسلق الجبل، هبت عاصفة رملية حجبت عنا الرؤية بحيث لم نكن نرى ما يوجد أمامنا. وبعد ساعة من الزمن، بدأ المطر ينزل بغزارة، استمر لمدة نصف ساعة، المياه كانت تجري كالنهر. تساءلنا: ما الذي يحدث؟ أي معجزة هذه؟
— ماذا يعني لكم العرض التمهيدي للفيلم في مدينتي الدار البيضاء والرباط؟
— يعني لنا العودة إلى الوطن. من أجل تقديم الفيلم للمغاربة، ولكل من شارك فيه، ولمن يعيشون هنا. كان لا بد للفيلم أن يمر عبر المغرب: فقد وُلد هنا. شعرنا في الرباط وفي الدار البيضاء بمشاعر خاصة، لأن الناس لا ينظرون إليه كفيلم أجنبي، رغم أنه من إنتاج إسبانيا وفرنسا. بل ينظرون إليه كفيلم مغربي، وهذا شيء جميل.
— هل تعتقد أن الأفلام يمكنها أن تساهم في خلق تقارب بين الشعوب؟
— نعم. هذا هو دور السينما: مد الجسور. مثل فيلم “صراط”، الذي يعتبر جسرًا بين إسبانيا والمغرب. تشاهد مثلا فيلمًا أستراليًا يتحدث عن الناس هناك، ومع ذلك يلامس شيئًا ما فيك. هذا الفيلم جسر متين بين البلدين.
— هناك سؤال أخير. كيف كان شعورك وأنت تشارك لأول مرة في عرض الفيلم في المغرب؟
— بالنسبة لي، هذه هي المرة الأولى التي أشارك فيها لعرض فيلم داخل المغرب. من قبل زرت مراكش، أربع أو خمس مرات، لحضور مهرجان الفيلم وأيضًا من أجل قضاء العطلة. لكن عرض فيلم هنا لأول مرة تعتبر تجربة جديدة بالنسبة لي. وكانت تجربة رائعة. مع فيلم “صراط”، الأمر مؤثر للغاية: حتى من الملصق، الذي يحمل صورة صحراء مغربية، تشعر بشيء مميز. ترى أن الناس يستقبلون الفيلم بمشاعر خاصة.
— ختاما، شكرا جزيلا، سيد سيرجي. نحن سعداء بإجراء هذا الحوار الشيق معك.
— وأنا سعيد أيضا بهذا اللقاء. يسعدني ويشرفني أن أكون هنا. أتمنى العودة إلى المغرب مرارا وتكرارا.





