توفيق سليماني
في رَوَاحٍ خريفي هادئ، احتضن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، يوم الثلاثاء المنصرم بالعاصمة الرباط، لقاءً تأبينياً استعاد فيه أصدقاء وزملاء ورفاق دراسة ونضال ملامح الراحل محمد الصالحي، الباحث والأستاذ الجامعي، وأحد أبرز الوجوه التي أسهمت في تأسيس وتطوير الدراسات الهيسبانية داخل الجامعة المغربية.
افتتح الدكتور الحسين المجاهد، الأمين العام للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، حفل التأبين، في جلسة أدارها الدكتور مصطفى آمادي، الباحث في الدراسات الإسبانية والأستاذ بمعهد فهد للترجمة.
لم يكن الحفل مجرد جلسة لاسترجاع السيرة الأكاديمية للرجل، بل كان مشهداً إنسانياً مكثفاً عاد فيه الزمن إلى الوراء، نحو مدرجات فاس، ومسقط رأسه، أزرو، وممرات كلية الآداب بفاس وبالرباط، فضاءات إسبانيا، وتشيلي وكوبا، حيث كان الصالحي حاضراً بشغفه ولغته ورؤيته للعالم. لكن كل التفاصيل، لا يمكن جمعها ونقلها في مقال أو اثنين أوثلاثة.
في هذا الصدد، قال محمد الصبار، المحامي والأمين العام السابق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو يستعيد حضور الصالحي الهادئ بين الناس: «رحلالصالحيولميرحل. إنهالغائبالحاضر. كانرجلاًأنيقاًووفياً. أشعرأنهيمربينناالآن،بينأزرووظهر المهرازوفاسوالرباط،وبينتشيليوكوبا،الأمكنةالتيعَرَفَتهوعرفها. كانيسارياًمؤمناًبالفعلالجماعيوالجامعةوالوعي. وحينتحوّلالعملالسياسيإلىسباقمنأجلالريعوالمناصب،انسحببصمت،منغيرضجيجولامرارة».
ولم يكن هذا البعد الإنساني منفصلاً عن البعد الثقافي والمعرفي. ففي مداخلته، قال سعيد بنكراد، المفكر والمترجم: «كانالصالحي جزءاًمنماضٍلاأستطيعاستحضارهدونأنيكونحاضراًفيه. جمعتنيبهالسياسةلاالعلم،سياسةكانتمليئةبالأحلام،خفيفةرغمتهديداتالسلطةوالسجن. كانمناضلاًصادقاً،يقولمايؤمنبهولاينتظرجزاءًولاشكراً. سقطتأوهامكثيرةوسقطمنكانوايرفعونشعاراتالتغيير،لكنمحمدالصالحيبقيأستاذاًمخلصاًلمهنتهولذاته. لميتغيّر».
أما الحسين بوزينب، الأستاذ والمترجم والباحث في الأعجميّة الأندلسية، فاستعاد لحظة انتقال الراحل من فاس إلى الرباط:«كانقدومهإلىجامعةالرباطحدثاًإيجابياً. ضخّدماءجديدةفيالشعبةوالكلية. لمتكنلهخصومات؛كانيعرفالأصدقاءويصنعالصداقة. كانصلةوصلبينفاسوالرباطجامعياًوأكاديمياً. نتذكرهبطيبهوعمقهوأخلاقهالفاضلة».
ومن جانبه، تحدث عبد المنعم بونو، زميله في فاس والرباط، بلهجة مفعمة بالامتنان: «كنتعدتمنفرنساسنة 1987،وكانالصالحيأولمناحتضننيفيفاس. اشتغلتمعهمباشرةعلىبحثحول الكاتب المكسيكي كارلوسفوينتيس. كانمنأوائلالباحثينالمغاربةالمتخصصينفيأمريكااللاتينية. كانمحباًللحياة،وتركأثراًعميقاًفيزملائهوطلبته. والدليلهوهذاالحضورالمتنوعالذييجمعنااليومحولذكراه. جعلاللهعلمهصدقةجارية».
وقالت نادية جلولي، كاتبة مغربية، وهي تستعيد صورته اليومية: «كانرجلاًشهماً. جمعصرامةالطبعومرونته. شخصيةمرحةومثقفة،وفيالوقتنفسهصارمةفيالمبدأ،ناعمةفيالمعشر. كانإنساناًعصامياً،يتنفسمنعمقإنسانيةالإنسان. تغادرالروحالجسد،لكنالأثرلايغادر».
أما مبارك حنون، كاتب وباحث وصديق الصالحي، فاختار لغة رمزية تليق بظل الرجل:«كانتالأسرةتريدلهأنيكونمحامياً. لكنهكانيريدأنيفتحالأندلسمنجديد. كانسبيلناإلىالمطلق. كانديمقراطياًوبقيكذلك، وماتديمقراطيا. يتعبالكلامولايتعبمحمدالصالحي».
لم يكن التأبين مجرد وقفة حنين، بل كان جرداً للمعنى؛ معنى أن يكون الإنسان أستاذاً لا موظفاً، مثقفاً لا متعالياً، مناضلاً من غير منبر ولا مكبر صوت. لم يكن الصالحي يعيد إنتاج المعرفة، بل يضيف إليها حياة. رحل الجسد، لكن الذاكرة حية.
——————————-
المقال الأول: استعادة غائب حاضر: محمد الصالحي ومسار الفكر الهيسباني المغربي (1)
الرابط:
https://shorturl.at/LShrl





