دخل الدبلوماسي الإسباني وخورخي ديثكايار، أول مدير لمركز الاستخبارات الإسبانية بعد تأسيسه سنة 2002، على خط الجدل الذي أثاره التقرير المرافق لمشروع قانون داخل الكونغرس الأمريكي، والذي وضع سبتة ومليلية داخل التراب المغربي وتحت الإدارة الإسبانية، معتبراً أن بعض الأوساط في الولايات المتحدة والمغرب بدأت تطرح فكرة مشابهة لما حدث في ملف الصحراء.
ديثكايار، الذي سبق أن شغل منصب سفير إسبانيا في الرباط وواشنطن والفاتيكان، ويُعتبر من أبرز الأصوات التي يُؤخذ بتحليلاتها في إسبانيا، خصص مقالاً مطولاً في صحيفة “إل بيريوديكو” للحديث عن التوتر المتزايد بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، وربط ذلك مباشرة بمستقبل سبتة ومليلية.
وكتب المسؤول الإسباني السابق أن بعض الجهات في الولايات المتحدة والمغرب تطرح فكرة مفادها أنه إذا كانت واشنطن قد دعمت السيادة المغربية على الصحراء، فقد تدعم أيضاً المطالب المغربية بسبتة ومليلية، مشيرا إلى أن هذا الطرح بدأ يكتسب حضوراً في النقاشات السياسية المرتبطة بالتوتر القائم بين إدارة ترامب والحكومة الإسبانية.
ويرى ديثكايار أن غضب ترامب من إسبانيا تصاعد بسبب مواقف حكومة سانشيز، خاصة رفضها زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام داخل حلف الناتو، وانتقادها للحرب الإسرائيلية في غزة، واعترافها بالدولة الفلسطينية، إضافة إلى موقفها الرافض للحرب ضد إيران ورفض استعمال القواعد والمجال الجوي الإسباني في أي عمل عسكري ضد طهران.
وفي هذا السياق، أشار إلى تسريب وثيقة أمريكية داخلية تتحدث عن بدائل لمعاقبة إسبانيا وبريطانيا باعتبارهما من أكثر الدول التي أزعجت ترامب بسبب مواقفهما من الحرب مع إيران. وأضاف أن الوثيقة تتحدث عن أفكار مثل إقصاء إسبانيا من بعض امتيازات حلف الناتو أو تقليص دورها داخل الحلف.
لكن النقطة التي ركز عليها الدبلوماسي الإسباني السابق بشكل أكبر تتعلق بسبتة ومليلية، حيث اعتبر أن بعض الأطراف بدأت تستلهم “سيناريو جزر المالوين” أو “مالييناس”، باللغة الاسبانية، من أجل طرح احتمال دعم أمريكي للموقف المغربي بشأن المدينتين، تماماً كما دعمت واشنطن الأرجنتين في ملف الجزر المتنازع عليها مع بريطانيا.
ورغم محاولته التقليل من إمكانية مقارنة سبتة ومليلية بجزر المالوين، عبر الحديث عن الفوارق السكانية والجغرافية والتاريخية، إلا أنه حذر الحكومة الإسبانية من الاستهانة بالموضوع، خاصة في ظل ما وصفه بـ”عدم قابلية التنبؤ” لدى ترامب.
ودعا ديثكايار حكومة بيدرو سانشيز إلى إعادة تفعيل “الخطة الشاملة” الخاصة بسبتة ومليلية التي تم الإعلان عنها سنة 2023، وإلى تسريع إدماجهما بشكل أكبر داخل السوق الأوروبية والضغط من أجل فتح الجمارك التجارية في سبتة وإعادة فتحها في مليلية، في إشارة إلى ما يزعم الإسبان أنه تضييقاً تجارياً مغربياً على المدينتين.
كما تحدث عن العلاقات المتنامية بين المغرب والولايات المتحدة، مشيراً إلى أن الرباط عززت تعاونها العسكري مع واشنطن في السنوات الأخيرة، خاصة بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، معتبراً أن هذا التقارب يثير قلق بعض الأوساط الإسبانية.
وفي الوقت نفسه، انتقد ديثكايار ما وصفه بـ”المجاملة المفرطة” الإسبانية تجاه المغرب، متسائلاً عن سبب عدم قيام العاهل الإسباني الملك فيليبي السادس بزيارة سبتة ومليلية إلى اليوم، رغم حساسية الملف بالنسبة لإسبانيا.
ويأتي هذا المقال في وقت يتواصل فيه النقاش داخل إسبانيا بشأن التقرير الأمريكي الذي تحدث عن سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين تقعان داخل التراب المغربي وتخضعان للإدارة الإسبانية، وهي الصيغة التي أثارت انزعاجاً واسعاً في مدريد لأنها تمس إحدى أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.





