توفيق سليماني*
المغرب يصنع الطريق بالسير
Caminando se hace el camino
يوم أول أمس الاثنين، كتبت صحيفة «إلباييس» الإسبانية، في افتتاحية لها تحت عنوان «الديمقراطية على الطريقة المغربية»، أن الانتخابات ونتائجها جاءت بـ«تغييرات طفيفة حتى يبقى كل شيء تقريباً على حاله». وتابعت قائلة: «يسعى المغرب إلى تقديم صورة حديثة عن نفسه باعتباره قوة إقليمية في شمال إفريقيا، تعززت مكانتها بفضل تحالفه مع الولايات المتحدة وإسرائيل. غير أن هذه الصورة لا تنسجم مع حالة الاستياء الاجتماعي والتفاوتات وغياب الآفاق، التي تجلت خلال هذا الصيف على الحدود مع مدينة سبتة. كما أنها لا تتوافق مع واقع أثبتت الانتخابات المتعاقبة أنه بعيد عن الحد الأدنى من المعايير المطلوبة لأي ديمقراطية».
ويبدو أن الخطاب نفسه السائد في إعلام جيراننا انتقل إلى مراكز التفكير، إذ إن مركز برشلونة للشؤون الدولية، وهو واحد من أبرز مراكز التفكير في إسبانيا، نشر تقريراً تحت عنوان «سبتة: ما الشيء المختلف هذه المرة؟». وبين ثنايا التقرير، تحدث عن مجموعة من الأسباب التي أدت إلى الدخول الجماعي إلى سبتة، ومن بينها ما وصفه ساخراً: «عندما لا تستطيع تغيير بلدك، تغيّر البلد»، ملمحاً إلى أنه في ظل عدم تغير الأوضاع، تظهر الهجرة باعتبارها فرصة.
قد يكون الانتقال الديمقراطي عندنا قد طال أكثر من اللازم، وقد تكون لدينا ديمقراطية معيبة، ولكنها على السكة أو الطريق، على الأقل هي في الطريق. وكما قال ماتشادو: «أيها السائر، ليس ثمة طريق… السير يصنع الطريق». وكذلك الديمقراطية تُصنع وتتحقق بالسير، أي بالمشاركة الانتخابية والسياسية والإعلامية والثقافية، وفي الحياة العامة وغيرها.
صحيح أن الديمقراطية الإسبانية أبهرت العالم، وكانت«باراديغما» لعقود، ولكن السنوات المنصرمة أظهرت أن فيها عيوباً. لهذا، فالمغرب يحتاج إلى ديمقراطية كاملة، جذورها في التربة المغربية وأغصانها ترتوي من مختلف التجارب الديمقراطية الأخرى في العالم، وليس إلى نسخة طبق الأصل من الديمقراطيةالإسبانية أو الفرنسية أو الأمريكية. فلكل بلد خصوصياته، لاسيما في المغرب، حيث يبدو المجتمع أكثر محافظة من المؤسسات، وحيث تبدو الملكية أكثر حداثة من المجتمع. وخير دليل على ذلك النقاش الذي كان سائداً قبل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة.
المنطق السليم والواقعية السياسية فرضا تعيين فاطمة الزهراءالمنصوري رئيسة للحكومة، تكريساً للقاعدة بدل الاستثناء. صحيح أن الفصل 47 من الدستور يسمح بتعيين الشخصية الأولى أو أي شخصية من الحزب الفائز، لكن المنهجية الدستورية والديمقراطية، والواقعية والمنطق السياسيين، كانت تفرض تعيين المنصوري. وكانت للقصر الملكي الكلمة الحاسمة، بعيداً عن مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتغير رياحها مع كل حديث عن مصدر أو مصادر، حتى تشابهت المصادر الظاهرة وغير الظاهرة، واختلطت الصحافة بمواقع التواصل الاجتماعي.
كما أن تعيين امرأة على رأس الحكومة المقبلة هو انتصار لروح مدونة الأسرة بعد نحو ربع قرن على اعتمادها، وهو ما سيسهل أيضاً تحسينها. ربما تأخرنا، إذ انتظرنا كثيراً لتكون لدينا رئيسة للحكومة، لكن عندما تنظر جنوباً وشرقاً وشمالاً وغرباً، تشعر أننا لم نتأخر كثيراً. فحتى الإسبان الذين وصفوا، يوم أول أمس، اللحظة السياسية المغربية بـ«الديمقراطية على الطريقة المغربية»، لم يستطيعوا منح الثقة لامرأة تقودهم على رأس الحكومة منذ نهاية ديكتاتورية فرانكو وعودة الديمقراطية.
نصف قرن من الديمقراطية في الجارة الشمالية دون رئيسة للحكومة، بينما استطعنا، بعد ربع قرن من الانتقال الديمقراطي، أن تكون لدينا امرأة رئيسة للحكومة. وقد تكون هذه التجربة المغربية دافعاً للإسبان للتفكير في منح الثقة لامرأة، ولو أن زحف اليمين واليمين المتطرف يجعل الفكرة بعيدة المنال.
مرة أخرى، لا أدافع عن المنصوري، وهي لن تحل وحدها مشاكل المغاربة، ولكنني أدافع عن المنهجية الديمقراطية والدستورية. وأنا متأكد من أن الذين وصفونا بـ«الديمقراطية على الطريقةالمغربية»، لو عُيّن لقجع مكان المنصوري، أو شخص آخر غيرها، لخرجوا علينا وكرروا هذه المرة العبارة نفسها: «الديمقراطية على الطريقة المغربية». وربما كانوا سيقولون إن المغرب انقلب على منهجية العرف الديمقراطي المتبع منذ 2011، وربما قالوا إنه خروج عن روح مدونة الأسرة.
قبل الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية وبعده، كثرت التخمينات والتكهنات والمصادر والتأويلات والتساؤلات والتحليلات، إلى درجة أن بعضنا أصبح يتحدث عن ست شخصيات مفترضة لرئاسة الحكومة المقبلة. وفي النهاية، كان ما كان، وما كان يجب أن يكون: احترام المنهجية الدستورية والديمقراطية، وتكريس قاعدة تعيين المسؤول الأول في الحزب الفائز، كما سبق أن حدث منذ تبني دستور 2011.
حكمة الشاعر الإسباني الكبير أنطونيو ماتشادو تصلح لما نعيشه اليوم. ففي قصيدته الشهيرة «أيها السائر، ليس ثمة طريق»، يقول الشاعر الإسباني بيتاً خالداً: «أيها السائر، ليس ثمة طريق… السير يصنع الطريق».
الأهم في كل هذا هو أن نكون في الطريق، وليس خارجه، وأن نسير بدل أن نتوقف، فالسير يصنع الطريق ويصنع الفارق.
الواقع يؤكد أننا نسير ببطء، وخير دليل على ذلك التعليم والصحةوالشغل، والهدف في الولاية المقبلة هو أن يكون لدينا مغرب يسير بسرعة وبالسرعة نفسها، وأن ننزّل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، وننظم مونديال 2030 أحسن تنظيم، مع العمل على أن يشعر الجميع بآثاره في حياتهم اليومية.
وكل هذا يحتاج إلى أحزاب قوية، وإعلام قوي، ومجتمع مدني قوي، ومواطن يمتلك الحس النقدي.
والأمل هو آخر ما يمكن أن نفقده.





