23 سبتمبر 2026 / 16:42

بيت الصحافة

لا تشتكِ، أنت من تصنعهم

مارس 30 - 23 سبتمبر 2026

عبدالرحيم واحمان/ الرياض

اليوم، يتوجه المواطنون المغاربة إلى صناديق الاقتراع في انتخابات تشريعية جديدة؛ محطة حاسمة يفترض أن ترسم ملامح المغرب لخمس سنوات قادمة. الشوارع لازالت تغص بصور المرشحين وبرامجهم الوعودية، والمقاهي لا صوت يعلو فيها فوق صوت النقاش السياسي. لكن خلف هذه الضجة الصاخبة، يكمن صمت أخطر بكثير: صمت الملايين الذين قرروا المقاطعة والانسحاب.

 

بهذا العزوف المستمر، نجد أنفسنا تحت رحمة فئة قليلة من المستفيدين من ريع الانتخابات، وتجار الدماء السياسية، وأصحاب المصالح الضيقة. لقد تركناهم يقررون مصيرنا، وتركنا لهم صناديق الاقتراع شبه فارغة، فملأوها بأصوات الولاءات العمياء، وشراء الذمم، وجهل من تحركهم الغرائز لا البرامج والأفكار. هذه هي الحقيقة المرة للانتخابات التشريعية في المغرب اليوم. المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في من يصوت، بل في من يختار الصمت والحياد السلبي.

 

بعض الأحزاب السياسية فهمت اللعبة بذكاء خبيث؛ فهي لا تريدك أن تصوت من الأساس. هي تراهن عليك أنت، أيها الشاب الجامعي، أيها الموظف، أيتها المثقفة، أن تبقوا في مقاهيكم وبيوتكم تكتفون بالشكوى والتذمر وترديد عبارات “ما كاينش مع من” و”كلهم …”. فعزوفكم هو رأس مالهم الحقيقي، وكلما قاطعتم، كلما سهلت عليها مهمة التحكم في المشهد.

 

إنهم لا يحتاجون إلى إقناع ملايين المغاربة؛ جل ما يحتاجونه هو بضع مئات الآلاف من الأصوات المضمونة والموجهة، أصوات يتم تحريكها وتدبيرها كما تُدار الدمى. فئة مجتمعية هشة يتم شحنها في الحافلات واستغلال فقرها لشراء ذممها بثمن بخس، لتكون هي من يقرر مصير البرلمان، ومصير الحكومة، ومصير القوانين التي تحكم حياتنا جميعاً. فهل يعقل أن يكون مستقبل تعليمك، وصحتك، وفرص شغلك، رهينة بيد شخص لا يعرف حتى اسم الحزب الذي صوت له؟ هل يعقل أن تترك مقعدك فارغاً ليجلس فيه من لا يمثل طموحاتك؟

 

إن الورقة التي تضعها في الصندوق ليست مجرد قطعة ورق عابرة، بل هي إثبات لوجودك وصوتك. وحين تختار الغياب، فأنت لا تعاقب الفاسد، بل تهديه النصر على طبق من ذهب. هم لا يسرقون الانتخابات، بل نحن من نقدمها لهم طوعاً حين نختار البقاء في المنازل. تذكر دائماً: اليوم إن لم تمارس السياسة، فسوف تُمارس عليك رغماً عنك.

—————-

(*) باحث مغربي

التصنيف : آراءالمغرب