بقلم عبدالرحمان بلعياشي*
القلق إحساس وشعور. القلق يعيش معنا ويرافقنا في حياتنا اليومية. فهو إذن إعلان عن الحضور؛ أو إن شئنا، إعلان عن الحياة. هو حساسية زائدة أو مفرطة. هو تعبير عن انزعاج ما؛ تعبير عن حساسية تجاه موضوع ما أو موقف معين أو تصرف غير لائق.
القلق تعبير عن قدرة التحمل. القلق تدبر وحكمة واختيار. القلق توجس وهوس. القلق حالة نفسية داخلية تبدو آثارها على المحيا والجسد والتركيز والنظرة. القلق يوقظ فينا سكينتنا وهدوءنا،وينقلنا من حالة اللامبالاة إلى حالة المبالاة. القلق وجع وألم واضطراب. القلق من هذا المنظور تعبير عن قيمة أصبحت نادرة في وقتنا الحالي.
القلق تعبير عن رغبة جامحة في التغيير والتصويب والتقويم. القلق تعبير عن عدم الرضا عن الوضع القائم أو عن تصرف آني غير لائق أو غير مناسب، أو سلوك شنيع وشاذ. القلق تجلي عن يقظة ووعي. القلق حرص على كمال نسعى عبثا للوصول إليه، لكننا مجبرون على الإستمرار والتمادي في ذلك، من باب القلق نفسه.
والقلق حيرة وغيرة، حالة لبس وغموض، راحة ذهنية مضطربة، رغبة صامتة في انفجار صامت مدوي يزلزل الوضع القائم، للإطاحة به أو تغييره أو ترميمه أو تصويبه وتقويمه.
القلق خوف، خوف من مستقبل باهت، مستقبل غامض، مستقبل غير مضمون…مستقبل مجهول…
القلق من الموت….
القلق سعي وراء أشياء فضفاضة، غير محددة المعالم يعتقد أنها تجلب السعادة والهناء، سعي وراء أشياء مجردة، سعي وراء مفاهيم عامة لا تتحدد بالملموس في الواقع….
القلق إيمان بفكرة والخوف من عدم استكمال شروط تحقيقها...
القلق هم وحمل ثقيل…
القلق ضمير، ضمير المجتمع الذي لا ينام، لا يصدأ ولا يتآكل …
القلق بحث متواصل عن الحرية، حرية الروح والفكر والجسد...
القلق من فقد ما نملك…
القلق من تملك ما نفقده أو نفتقده… عبودية في عبودية، تبعية دائمة وأبدية…
القلق تعبير عن هشاشة وضعف وحاجة، القلق بحث عن ملأ فراغات… القلق تعبير عنيف عن خواء غير محدد. تعبير صارم عن هوة عميقة يصعب تقليص مسافاتها...
قلق من عالم متوتر... عالم كله متناقصات، عالم لم يتصالح مع ذاته لأن من عمروه ليسوا مستعدين للقيام بذلك... كبرياء وتفاخر وتباهي وعجرفة... لكنها لا تخلو من قلق، قلق ينم عن هشاشة أسس هذا السلوك، لأنه ليس سلوكاطبيعيا أو تلقائيا وعفويا؛ لنقل ليس متأصلا... ليس الأصل فيه عند الخلق...
قلق يدخلك في متاهات التفكير التي لا تنتهي، وتضاعفه أضعافا مضاعفة. قلق متراكم، ظلام دامس، عمى في عمى، التيه والضياع هما المصير، ولا مجال للإستيضاح والتوضيح.…
القلق من ضياع الفرص، من فرص أتيحت وفوتناها ولم نكن نعرف أنها لن تعود... قلق نابع من غياب الثقة في النفس واعتبارها غير مستعدة أو غير مؤهلة بعد… النفس مليئة بالمعجزات…لا يجب الإستهانة بها وبقدراتها…
قلق من كل شيء، شك وريب وتردد، ضياع وفشل في الوصول إلى استقرار نفسي وذهني… قلق من المصير والمآل بعد الحياة...أجنة الفردوس أم الجحيم والعذاب الأليم...
قلق من ثقة تمت خيانتها، قلق من خيانة ثابتة…
قلق من غدر الزمان، والصحة والرفقة…
قلق من انسحاب غير متوقع من مشهد الحياة، قلق من انسحاب صامت، قلق من تهميش فجائي من المقربين ومن العشيرة والمجتمع...
قلق من نوع آخر، قلق الكتابة والبوح والإبداع من أجل حاجة ملحة، أحيانا ذاتية وأحيانا أخرى موضوعية…قلق مزعججراء إحساس مفرط،يعبر عن حمل ثقيل وهم كبير لما يجري ويدور حولنا…
قلق من سعادة لم تكتمل أو لم تأت بعد ولا نعرف هل ستأتي أم لا، قلق من وضع نعتبره تعسا وحزينا ونأمل في أن يتغير تلقائيا أو بافتعال منا...
قلق من واقع استنفدنا به ومعه كل طاقاتنا على التحمل والصبر، ولا سبيل لتغييره نظرا لضعف الإمكانيات أو انعدامها، ونظرا أيضا لغياب خيال يتسع لحجم التطلعات ويمتص النكسة والإنكسار والإنهزام...
قلق نابع من ضعف الإيمان بالذات والقدرات والثقة في النفس... قلق يكشف عن هشاشة داخلية وروحية، قلق يكشف عن نواقص وفراغات...
قلق ممتد في الزمان والمكان، قلق مستمر ودائم ولم يعط إشارات عن قرب الإنتهاء، فيزيد القلق قلقا وتعقيدا ويولد توترا،يحجب الحلول حتى لو كانت بسيطة وفي المتناول... يحجب الرؤيا ويسد الأفق ويعطي انطباعا بأن كل شيء أصبح مستحيلا...
أحيانا قلق مجاني، مفتعل، جراء هوسنا الغير مبرر، هو قلق مزعج، ينال منا وينخر من صحتنا ومن تفكيرنا... من هذا المنظور هو نقمة...
قلق من غلو البعض، قلق من قسوة القلوب وجفائها...
قلق من ظلم ومن ذنب لم تقترفه، قلق من تهم ملفقة... قلق من صمت مطبق وسكوت رهيب وسكون غريب، حالوا ضد الفضح والفصح والكشف والبوح...
قلق من لامبالاة قاتلة ومن جفاء وبرودة دم لا مثيل لها...قلق من قلوب ميتة خالية من رحمة ورأفة وشفقة... قلوب قاسية، لا وجود لذرة رحمة فيها...
قلق منتراجع جسور التواصل والتسامح والتعارف والتقارب، قلب من ضيق مسافة التفاهم... قلق من تشتت عازل يقاوم كلمحاولة توحيد أو وحدة وتجمع. قلق من انزواء وانعزال ووحدانية وأنانية... قلق من اختفاء قدرة التحمل، تحمل الغير وتلمس الأعذار له…
قد يكون القلق نعمة عندما يستثمر في الإتجاه الصحيح... غيرة على مصلحة عامة وعلى البلد والوطن...قلق منأجل المضي قدما والتخلص من إرث ثقيل لا طائل من وراءه... رغبة في التحرر من القيود والتخلص من الأغلال وكل ما يكبل التفكير والعقل والخيال... رغبة في تجاوز الصعاب وتحدي العراقيل المادية منها والمعنوية... تجاوز الذات من أجل الذات نفسها... من أجل التخلص من القلق الذي يستحوذ عليها وإزالة الغمة التي تحجب النظر والتركيز على الجوهر...
قلق من ماض فات، ومن الفرص التي أتاحها وضاعت ولن تعود وتبددت للأبد...
قلق من حاضر باهت شكله ومستعص على الفهم والإستيعاب... صعب التعايش معه لانسداد أفقه…
قلق من مستقبل غير مضمون، غير محدد المعالم…
قلق في قلق، قلق ناجم عن تجارب ومواقف. قلق ناتج عن تراكمات، لم نعد نتحمل أوزارها، لم نعد نستطيع أن نطيق ثقلها علينا... تراكم في تراكم. كومة كبيرة جاثمة على صدورنا، تخنقنا، تجعل تنفسنا مستعصيا وصعبا ومعقدا... نحتاج بعدها إلى خلاص، لا ترى ملامحه بعد ولم توجد إشارات على ذلك بعد... خلاص يزيل الهم والغم ويخفف من وطأتهما... خلاص يجعل من التراكم دخانا يتبخر في الهواء ويتبدد ولا أمل في أن يعود... قلق ناجم عن خيبات متتالية ولا يبدو أنها ستنتهي... قلق من وضع لم يعط إشارات عن التغيير…
قلق يشبه السراب، لا يكاد ينتهي حتى يتراءى لك ممددا في المكان وممتدا في الزمان، تلاحقه فيهرب نحو الأمام، وتتبعه لتمسك به فإذا به ينفلت منك لأنه عبارة عن وهمغير مرئي، لا يمكنلمسه أو ضمهأو الإحاطة بهمهما كانت مهاراتك، لأنه أكبر منها ومنك، قلق أكبر وأضخم من أن يمسك به ورضخه وهزمه والتحكم فيه وإخضاعه لرقابتك ولإرادتك... لأنك أنت من جعلت منه غولا يخيفك في كل لحظة وحين ويقتل فيك كل محاولة للتغلب عليه والقضاء على سلطته، فتركته يكبر وتكبر جبروته إلا أن صار هو من يملي شروطه ويفرض رأيه عليك... فأصبح ذا كبرياء ونخوة، تارة يتبختر وتارة أخرى يثور ويتمرد، فينعكس ذله على سلوكك ومواقفك، وتصبح أكثر تعصبا وأكثر تشددا وتركب أمواج الهوس الهائجة والخارجة عن السيطرة وتصبح أنت مستحيلا في كل شيء، في كلامك وفي صمتك. وتصبح مثل ثور يدخل حلبة المصارعة، يعرف مصيره مسبقا لكن عليه أن يتعذب قبل بلوغه... فتراه يركض في كل الإتجاهاتويناور يمنة ويسرة ويضرب بقرنيه في الهواء وفي الخواء وفي الترابوفي الأرض، عله يحدث تغييرا في القدر أو يبدل وجهته أو يقلب الطاولة على مصارعه، لكنه ما لبث أن يستسلم لطعنات غدر لا يدري من أين أتته، فينزف ويشرع في الإستسلام لمصيره الذي لم يكتبه بقدميه أو بقرنيه، فينظر إلى مصارعه نظرات فيها من اليأس ما يعبر عن لوم عن فعل لم يرتكبه أو جرم لم يقترفه سوى أنه ولدا ثورا ليتم اقتياده، بعد سنوات من العناية والتربية، والعلف والأكل والشرب،إلى حلبة شكلها دائري وسط هتافات المتفرجين الممزوجة بالموسيقى وأغاني المناسبة،ليكون موضوع فرجة كلها إثارة وتشويق، تتشكل عناصرها الأساسية من الملاحقة والتخويف والترهيب والتعذيب والألم والطعن والدم والقتل والموت البطيء...الضربة الأخيرة والقاضية أتته من مصارع هادئ صغير الحجم، فتراه ينظر إليه وكأنه يستخلص أخيرا وفي لحظة انهزام وانكسار واستسلام، عبرة الحياة التي لن تشفع له ولن تنقذه من الموت،ألا وهي أن المهارة أهم من الضخامة، وأن الحيلة قد تغلب أحيانا الذكاء... وأن الدهاء أفضل من السذاجة.
قلق من حياء اندثر واحترام للآخر اندحر وعرفان بالجميل زال… قلق من قيم تتساقط مثل أوراق الخريف، ويعبث بها الريح في كل الإتجاهات ولا أحد يكترث لذلك. قيم لم تعد تؤثر وتوجه وتربي... قلق عن رقي في التعامل زال وولى، وقلق عن أناقة في السلوك أصبح معابا... قلق على معادلة قيم معكوسة... قلق عن أنانية مفرطة قتلت من مهدها إنسانية الإنسان... قلق من فردانية متوحشة وقفت ندا للند أمام السلوك المدني المتمدن... قلق من حقد مجتمعي دفين يولد سلوكات دخيلة ومتوحشة، أصبحت يوما بعد يوم عادة عادية في شوارع وأزقة ودروب مدننا وقرانا ومداشرنا. قلق من شباب تائه بين أصالة غير مستوعبة ومعاصرة غاوية. قلق من عمر يمر وسنوات تضيع وأجيال مغرورة وتائهة...
قلق يجعلك شاردا تائها فاقدا للوجهة... تسير في الشوارع بدون قصد وتجوب الأزقة بدون هدف، فتعبرها بلا اكتراث وتقطع مسافاتها بلامبالاة بما يدور في محيطك. ترى خيال وجوه غير معروفة، بلا شكل، بلا هيأة، كأنها كومة واحدة تملأ فراغ الفضاء، ليس إلا... وانت تسير والقلق يشل تفكيرك لأنك أولا لم تحدد طبيعته ولا تعرف سببه لتزيله... وكأنك تناولت مخدرا ثقيلا سد جميع منافد مخك وأزال كل نقطة نور فيه، ليحل محله ظلام دامس وسواد حالك... وكأنك أعمى في العين وفي البصيرة وفي كل الجوارح، ولا تستطيع أن تتبين الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال ولا الصحيح من الخطأ... الكل عندك سيان؛ لكن في القلق والحيرة والهم والغم.
قلق يدعو إلى قطيعة، إلى القطع مع الكل ومع الجميع... قطيعة تنسيك كل الأوجاع والهموم... قطيعة تخلصك من الوساوس وتخفف عنك أوزاره... قطيعة ترفع عنك ثقل الماضي وهم الحاضر وتوجس المستقبل... قطيعة تقطع الشكوك باليقين... قطيعة تعيد الثقة والبسمة والأمل، بعيدا عن هموم التراكمات وإرث الماضي وتفكير الحاضر وغموض المستقبل... قطيعة تعيدك إلى بداية السكة لامتطاء قطار الحياة من أوله، بنفس جديد وروح متجددة، وبطريقة مغايرة ومنهجية جديدة... قلق مرغوب فيه لأنه مريح... قلق يقود إلى راحة نفسية وذهنية لا تضاهيها راحة أخرى... قلق مرادف للخلاص... الخلاص الذي يمنحنا أجنحة نطير بها عاليا بعيدا... أجنحة الحرية والتحرر والاستقلال والتخلص من التبعية والعبودية.
———————————
(*) كاتب ومثقف مغربي






