حاورها توفيق سليماني
ترجمة: د. محمد الشاربي
تُعدّ ماريا رينا كارّيتيرو رانخيل من أبرز المدافعات في أمريكا اللاتينية عن تعزيز التقارب بين المغرب والمكسيك. باحثة كرّست جهودها لمد وتوطيد الجسور الأكاديمية والثقافية والإنسانية بين البلدين، وتشغل منصب رئيسة المرصد المكسيكي للصحراء المغربية، كما تنسق الندوة الدولية للدراسات الثقافية حول المغرب الكبير بالمركز الإقليمي للأبحاث متعددة التخصصات التابع للجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك.
بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين، تحاور صحيفة مارس30 الباحثة المكسيكية حول التحولات العميقة التي شهدها المغرب خلال هذه السنوات السبع والعشرين، وتطور قضية الصحراء، والدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب.
وتتطرق كارّيتيرو رانخيل أيضاً إلى واقع العلاقات المغربية المكسيكية، وتؤكد على الإمكانات الكبيرة التي توفرها الثقافة والبحث العلمي والتعليم العالي والتبادل الفني لتعزيز الروابط بين المجتمعين. كما تقدم تحليلها للتحولات السياسية التي تعرفها أمريكا اللاتينية، وتشدد على أن دولة الحق والقانون، والتعددية، والحريات الأساسية، والحوار، تشكل ركائز جوهرية لأي نظام ديمقراطي.
– في 30 يوليوز، يحتفل المغرب بعيد العرش المجيد، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه الميامين. كيف تنظرون إلى المغرب خلال الـ27 سنة الأخير؟
– إن الحديث عن سبعة وعشرين عامًا من عهد جلالة الملك محمد السادس يستلزم التأمل في التحولات العميقة التي رسخت مكانة المغرب على الساحة الإقليمية والدولية. تكمن أعظم نقاط قوة عهد جلالة الملك في قدرته على بناء رؤية بعيدة المدى تحافظ على الهوية التاريخية مع تعزيز عمليات التحديث والتنمية والابتكار بشكل مستدام. هذه القدرة على الجمع بين الاستمرارية والتغيير تُشكل، في رأيي، إحدى أهم سمات المغرب المعاصر.
لقد مكّنني بحثي الأكاديمي حول المواطنة العالمية المتوسطية القديمة من إدراك أن الحضارات العظيمة تبلغ ذروة إمكاناتها عندما تُحوّل إرثها التاريخي إلى مصدر دائم للتجديد. ويُمثّل المغرب مثالاً متميزا على هذا التوجه، إذ يدمج ذاكرته الحضارية العريقة مع استراتيجية تنموية مستقبلية، مع تعزيز علاقاته في الوقت نفسه مع إفريقيا، والبحر الأبيض المتوسط، والمحيط الأطلسي، والعالم العربي، وأمريكا اللاتينية.
على مدى ثلاثة عقود تقريباً، قامت المملكة بعملية تحديث مستدامة من خلال تعزيز مؤسساتها، وتطوير بنيتها التحتية الاستراتيجية، وترسيخ سياسة طاقية متطورة، وتوسيع شبكة موانئها والجانب اللوجستي بشكل عام، ودعم نمو قطاعات صناعية كبيرة، وانتهاج سياسة خارجية بعيدة المدى. وقد رافقت هذه العملية رؤية رسمية تُعطي الأولوية للاستقرار، والتخطيط طويل المدى، وبناء تحالفات استراتيجية قادرة على تحقيق الازدهار وبناء الثقة.
يُشكّل التراث الثقافي الصحراوي والأمازيغي والعربي والإفريقي والمتوسطي الغني في المغرب تراثاً حياً حافظ عليه جلالة الملك، باعتباره رمزا للوحدة الوطنية. لقد عزز هذا التنوع هوية تعددية تستمد قوتها من الذاكرة التاريخية، واحترام التقاليد المتنوعة، والشعور بالانتماء. وتُتيح القدرة على دمج مختلف الموروثات الثقافية ضمن مشروع وطني مشترك تجربة بالغة الأهمية لمن يدرسون عمليات التعايش وبناء المجتمعات المعقدة.
انطلاقا من المكسيك، ألاحظ أيضاً أن المغرب قد رسّخ مكانته الاستراتيجية كجسر بين القارات، وكفاعل متزايد النفوذ في عمليات التعاون بين بلدان الجنوب. ويعكس انفتاحه على إفريقيا، وتعزيز علاقاته مع أوروبا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية، إلى جانب حضوره الاقتصادي والدبلوماسي المتنامي، رؤيةً تعتبر التعاون الدولي كأداة لتحقيق الاستقرار والتنمية وخلق فرص مشتركة.
وقد أسهمت الإنجازات التي تحققت في ظل قيادة جلالة الملك محمد السادس إسهاماً حاسماً في تعزيز مكانة المغرب بشكل كبير على الساحة الدولية. واليوم، يُنظر إلى المملكة كفاعل موثوق، قادر على المبادرة، وتتمتع بنفوذ إقليمي ودولي متزايد. من وجهة نظري، يُمثل هذا التموضع أحد أهم نتائج السنوات السبع والعشرين من عهد جلالة الملك، ويُمثل إرثًا سيُواصل دفع المغرب نحو آفاق جديدة من التعاون والتنمية والريادة على الصعيد العالمي.
– كيف تُحللون، انطلاقا من المكسيك، تطور نزاع الصحراء على مدى هذه السنوات السبع والعشرين؟
– يظهر تطور ملف الصحراء، على الساحة الدولية، أن هناك وعي متزايد بضرورة إيجاد حلول سياسية ثابتة تُعزز السلام والأمن والتعاون الإقليمي. ويُظهر الدعم المتزايد الذي تُبديه دول عديدة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية تطورًا ملحوظًا في السياق الدبلوماسي الدولي، ويؤكد ميولا نحو مقترحات قابلة للتطبيق ضمن العملية التي ترعاها الأمم المتحدة. وفي الوقت نفسه، يُعد التحول الذي شهدته الأقاليم الجنوبية جانبًا يستحق اهتمامًا خاصًا. فخلال السنوات السبع والعشرين من عهد جلالة الملك محمد السادس، تم ضخ استثمارات كبيرة في البنية التحتية والموانئ والطاقة المتجددة والتعليم والصحة والإسكان والتنمية الاقتصادية، مما عزز اندماج المنطقة بشكل متزايد في الديناميات الوطنية والإفريقية. وقد ساهمت هذه السياسات العمومية في تحسين الظروف المعيشية للسكان وتحسين آفاق التنمية للأجيال الجديدة.
يتجلى تطور منطقة الصحراء أيضًا في تعزيز مؤسساتها التمثيلية. وتُعد مشاركة السكان في الانتخابات الإقليمية والوطنية، التي ينتخبون من خلالها ممثليهم، مؤشرًا هامًا على ترسيخ الحياة المؤسسية في المنطقة. وقد شهدت العديد من العمليات الانتخابية حضور مراقبين ووفود دولية، فضلًا عن زيارات من ممثلي منظمة الأمم المتحدة في إطار اختصاصاتهم، مما أتاح فهمًا أعمق للتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.
كما نلاحظ أن المغرب قد عزز توجهه نحو إفريقيا من خلال سياسة التعاون الاقتصادي والمالي والثقافي التي تجعل من الأقاليم الجنوبية فضاءً للتواصل بين المغرب العربي ومنطقة المحيط الأطلسي ودول غرب إفريقيا، مثل السنغال وساحل العاج ومالي وغينيا ونيجيريا وغانا وبوركينا فاسو. ويعكس هذا التطور رؤية استراتيجية تتجاوز النطاق الإقليمي، وتحول المغرب إلى فاعل رئيسي في بناء ديناميكيات جديدة للتعاون الإفريقي.
– هل يُمكننا القول إنّ نزاع الصحراء قد حُسم بعد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797؟
– يُمثّل قرار مجلس الأمن رقم 2797 خطوةً هامةً ضمن العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة. ويؤكد مضمونه على ضرورة التوجّه نحو حلّ سياسي واقعي وعملي ودائم، قائم على التوافق بين الأطراف، مع إدراك أهمية الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وإبقاء مسار الحوار الدبلوماسي مفتوحًا. وبالتالي، أعتقد أن القرار يُرسّخ توجها يتعزز باستمرار خلال السنوات الأخيرة.
من منظور أكاديمي، يكمن التغيير الأهم في تطوّر السياق الدولي. فقد أعرب عددٌ متزايدٌ من الدول عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المقترحة من طرف المغرب، كما عزّزت دولٌ أخرى حضورها الدبلوماسي في الأقاليم الجنوبية بافتتاح قنصليات عامة. ويعكس هذا التطوّر تحوّلًا هامًا في النظرة الدولية للقضية، ويُسلّط الضوء على البحث عن حلول سياسية واقعية تُسهم في استقرار المغرب العربي والقارة الإفريقية بشكل عام.
كما يؤكد استمرار العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة أن الحوار لا يزال الإطار الشرعي للتوصل إلى حل مقبول على نطاق واسع. تتطلب الدبلوماسية وقتًا ومثابرةً واستعدادًا لبناء اتفاقيات دائمة. وقد صاغت قرارات مجلس الأمن سيناريو يُعطي الأولوية للواقعية السياسية والتوافق والمسؤولية المشتركة كشروط أساسية لتحقيق سلام دائم.
في رأيي، يكمن الجانب الأهم في هذا التطور في أن النقاش الدولي يركز بشكل متزايد على بناء حلول تضمن الاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي. يكتسب هذا التحول أهمية خاصة في سياق دولي يتسم بتحديات جيوسياسية متعددة، حيث يكتسب التعاون بين الدول قيمة استراتيجية.
– كيف ترون العلاقات الحالية بين المغرب والمكسيك؟
– تجمع المغرب والمكسيك روابط تاريخية وثقافية توفر مجالًا واسعًا لتطوير التعاون بشكل كبير بينهما. يمكن للثقافة والبحث العلمي والتعليم العالي والتبادل الفني أن تصبح جسورًا دائمة بين المجتمعين. لقد خصصت جزءًا كبيرًا من بحثي لدراسة العلاقات المتوسطية والمغربية التاريخية مع المكسيك، لا سيما تلك المتعلقة بالضيافة والتنقل الثقافي. تؤكد هذه التجربة أن التفاهم المتبادل يشكل الأساس المتين لبناء علاقات دبلوماسية واجتماعية طويلة الأمد.
كباحثة مكسيكية، أطمح إلى مواصلة المساهمة في هذا التقارب من خلال العمل الأكاديمي والبحث العلمي والدبلوماسية الثقافية. فكل ندوة، وكل منشور، وكل تبادل جامعي، وكل مشروع تعاوني، يمثل رحلة صغيرة تخلق، مع مرور الوقت، جسورًا متينة بين الشعوب. وأطمح بشدة إلى أن تجد الأجيال الجديدة فرصًا متزايدة للتعارف والدراسة وإجراء البحوث بشكل مشترك واكتشاف التراث التاريخي والإنساني الغني الذي يجمع منطقتينا.
على مر السنين، لاحظتُ أن المغرب يحتل مكانة متميزة تؤهله ليصبح أحد المحاور الرئيسية التي تربط إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي والعالم العربي وأمريكا اللاتينية. يعتبر هذا الأمر مسؤولية تاريخية كبيرة، لكنه يفتح أيضًا آفاقًا استثنائية لتعزيز أشكال جديدة من التعاون العلمي والأكاديمي والاقتصادي والثقافي، بما يستجيب لتحديات عصرنا. إنني على يقين بأن المستقبل سيكون حليف الدول القادرة على بناء تحالفات قائمة على المعرفة والابتكار والثقة المتبادلة.
– هل يساوركم القلق إزاء صعود اليمين واليمين المتطرف في أمريكا اللاتينية وإسبانيا؟
– تشهد الديمقراطيات المعاصرة تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة تُشكّل تحديًا لجميع القوى السياسية، بغض النظر عن توجهاتها الإيديولوجية. يتطلب هذا الوضع تعزيز جودة المؤسسات، والحفاظ على سيادة القانون، وترسيخ ثقافة مدنية قائمة على احترام كرامة الإنسان والتعددية والحريات الأساسية. تتعزز شرعية أي ديمقراطية عندما تكون قادرة على حماية حقوق جميع الناس، وتعزيز الحوار، وبناء توافق في الآراء يسمح بمعالجة الخلافات عبر القنوات المؤسسية.
خلال أبحاثي أكدتُ أن الضيافة تُشكّل أخلاقًا تقوم على الاعتراف بالآخر، وشرطًا أساسيًا للتعايش بين الثقافات. يكتسب هذا المبدأ أهميةً أكبر في المجتمعات التي تشهد تنوعا مستمرا، حيث يُمثّل الاحترام المتبادل، والإنصات، والمسؤولية المشتركة أساس السلام الدائم.
يُمكن أيضًا فهم الديمقراطية كشكل من أشكال الضيافة السياسية، حيث يجد كل فرد مساحةً مشروعةً للمشاركة، والتعبير عن اختلافاتهم، والمساهمة من أجل الصالح العام.
يتوقف التنوع عن كونه مصدرًا للمواجهة عندما يجد مؤسسات قادرة على ضمان المساواة والعدالة والاعتراف.
– أخيرًا، ما هي الرسالة التي تودّون توجيهها إلى القراء؟
– أودّ أن أعرب، أولًا وقبل كل شيء، عن امتناني للشعب المغربي على كرم ضيافته الدائمة واستقباله للمشاريع الأكاديمية والثقافية التي أطلقناها بين المكسيك والمغرب. تكتسب المعرفة بُعدًا عميقا جدا عندما تُبنى من خلال التفاعل بين الأفراد والمؤسسات والتقاليد الفكرية التي لديها الرغبة في التعلم من بعضها البعض. لقد ساهمت هذه التجربة في تطوير مسيرتي المهنية كباحثة، ورسخت التزامي بتعزيز الروابط بين مجتمعاتنا.
كما آمل بصدق أن تطلق المغرب والمكسيك قريبًا، ويفضل أن يكون ذلك هذا العام أو على أقصى تقدير العام المقبل، خطًا جويًا مباشرًا يُقرّب مجتمعاتنا من بعضها دون الحاجة إلى التوقف في أوروبا. ستكون لهذا الخط الجوي أهمية كبيرة جدا، بحيث سيسهل تنقل الطلاب والباحثين ورجال الأعمال والفنانين والسياح، ويحفز التجارة، ويعزز حضور جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية في كلا البلدين. أنا على يقين بأن هذا الخط سيكون تعبيرا صريحا على نضج العلاقات الثنائية، وسيُدشّن عهدًا جديدا من التعاون الديناميكي والوثيق.
وأخيرًا، أود أن أوجه رسالة أمل إلى القراء. إننا نعيش لحظة تاريخية تتطلب منا إعادة اكتشاف قدرتنا على بناء مستقبل مشترك، وبناء فضاءات تسود فيها المعرفة والثقافة والتعاون لإزالة انعدام الثقة والعزلة. أنا على ثقة بأن المغرب سيواصل ترسيخ دوره كفاعل مهم لتحقيق الاستقرار والانفتاح والحوار بين المناطق التي ربطتها التجارة في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي لقرون. ومن المكسيك، سأواصل العمل بنفس العزيمة لتعزيز هذه الروابط باستمرار، لأنني أؤمن أن التفاهم بين بلدينا يخدم مصالح الأجيال الحالية والمستقبلية.







