حاوره توفيق سليماني
ترجمة: د. محمد الشاربي
باحثٌ رصين، وصاحب إنتاج فكري غزير، وقلم لا ينضب عطاؤه. كما يتميز بكرمه الفكري، واستعداده الدائم للحوار، وثباته على مبادئه وقناعاته.
بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين، نحاور في “مارس30” ميغيل أنخيل رودريغيث ماكاي، وزير خارجية البيرو الأسبق، والخبير في العلاقات الدولية، وأحد أبرز الأصوات في أمريكا اللاتينية التي تابعت، بعمق ورصانة، التحولات السياسية والدبلوماسية التي شهدتها المملكة المغربية.
وتتميز مسيرته السياسية بموقف استثنائي قلّ نظيره، إذ غادر حكومة الرئيس البيروفي الأسبق بيدرو كاستيو حفاظًا على مبادئه وقناعاته في مجال السياسة الخارجية، وفي مقدمتها دفاعه الواضح عن عدالة الموقف المغربي بشأن قضية الصحراء.
وفي هذا الحوار المطول والاستثنائي، يقدم رئيس الدبلوماسية البيروفية الأسبق قراءة عميقة لحصيلة سبعة وعشرين عامًا من حكم الملك محمد السادس، واصفًا جلالته برجل الدولة الذي نجح في ترسيخ مكانة المغرب ضمن الدول الصاعدة، بفضل رؤية استراتيجية قائمة على التنمية والاستقرار والانفتاح الدولي.
كما يتناول تطورات قضية الصحراء المغربية، وموقف إسبانيا في أعقاب الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، والتحولات السياسية التي تشهدها أمريكا اللاتينية مع صعود حكومات اليمين، إلى جانب آفاق المرحلة الجديدة في البيرو بعد انتخاب رئيستها الجديدة. حوار يحمل أبعادًا جيوسياسية عميقة، ويجمع بين التحليل الاستراتيجي والفهم الدقيق للتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
غدا الخميس، يحتفل المغرب بعيد العرش المجيد، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه الميامين. كيف تنظرون إلى المغرب، انطلاقا من أمريكا اللاتينية، خلال هذه الـ 27 سنة الأخيرة؟
– ينبغي على الشعب المغربي أن يفتخر، كما هو فخور الآن بالفعل، بوجود ملك كرّس عهده لتحقيق التنمية الشاملة للبلاد كدولة متقدمة، والتي تُعتبر اليوم دولة صاعدة، تتطلع إلى إفريقيا والعالم. المغاربة ليس لديهم مجرد رئيس دولة، بل رجل دولة، والفرق بينهما شاسع، لأن رجل الدولة يُقدّم مصلحة الوطن على مصلحته الشخصية أو مصلحة عائلته. وبالنسبة لجلالة الملك محمد السادس، فإن تحقيق التنمية يستلزم بالضرورة التوصل إلى حل نهائي لقضية الصحراء الغربية.
لقد كرّس الملك محمد السادس، على مدى الـ27 عامًا التي تربع فيها على العرش، جهوده الدؤوبة والمتواصلة لاستخدام الوسيلة الوحيدة والمنهج الأمثل للمجتمع الدولي المتحضر، ألا وهو السلام، لتحقيق هذا الهدف. ورث الملك عن والده الحسن الثاني، أكرم الله مثواه، مبدع المسيرة الخضراء التاريخية قبل أكثر من 50 عامًا، والتنقل السلمي الطوعي للشعب المغربي إلى جنوب البلاد، إلى صحرائهم، مسؤولية جسيمة تتمثل في ضمان الوحدة الترابية للمملكة. وقد كرّس حياته لهذه المهمة من أجل مستقبل المغرب وشعبه، وهو ينجزها على أكمل وجه.
إن الاعتراف الكبير والمتزايد من دول العالم بسيادة المغرب على الصحراء، والدعم الواسع الذي حظيت به مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها الملك بنفسه إلى الأمم المتحدة عام 2007، يعكس بوضوح العمل الدؤوب الذي قام به الملك لتحقيق هذا الهدف. وقد أرشد دبلوماسييه إلى أفضل استراتيجية لتحقيق ذلك، وكان سر نجاحها يكمن في عرض الحقيقة فوق كل اعتبار، مما جعلها قضية ذات مصداقية تامة.
الحقيقة أن الدبلوماسيين المغاربة ثابتون كثبات ملكهم. طوال هذه المدة، أظهروا ولاءهم الكامل، وانتمائهم التام، والتزامهم المطلق بملكهم وبلادهم.
وقد تُوِّجت جهود الملك الدؤوبة طوال الـ27 عاما من حكمه بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي تبنى بالكامل اقتراحه الذي قدمه عام 2007: حكومة إدارية للصحراء الغربية تحت السيادة الكاملة للمملكة المغربية. يعتبر هذا الأمر من أعظم إنجازاته، إلى جانب قراراته العملية بشأن سياسة دولة شاملة للمناطق الجنوبية من البلاد، وتزويدها بالبنية التحتية اللازمة لنموها وتطورها. وقد شهدت ذلك بنفسي: فقد ضمن الملك للساكنة الصحراوية حقها في التمتع بكل الحقوق المدنية، وحياة كريمة تتسم بالسلام والطمأنينة اللذين لا يُقدران بثمن. لذا، وفي إطار المفاوضات الجارية تحت رعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، ونظرًا للبراغماتية التي تفرض نفسها، يُعدّ الحكم الذاتي الحل الأكثر واقعية وجدية ومصداقية لقضية الصحراء المغربية.
وهكذا، فقد مرّت 27 عامًا على عهد ملكٍ يقود إدارة البلاد على الصعيدين الوطني والدولي، جاعلًا الجغرافيا السياسية مبدأه التوجيهي، ليظهر المغرب بمظهر يليق بتاريخه وثقافته. هذا ما أراه انطلاقا من موقعي الجغرافي الذي أنتمي إليه.
– بصفتكم خبيرًا في العلاقات الدولية مُلمًا بهذه القضية، كيف تُحللون تطور نزاع الصحراء على مدى السنوات السبع والعشرين الماضية؟
– لقد كنتُ على دراية بنزاع الصحراء منذ أيام دراستي للقانون في جامعة سان ماركوس، ومنذ تأسيس كرسي القانون الدولي، دأبنا على تناول هذه القضية مع طلابنا. أعتقد أن هذا الأمر استمر لمدة خمسة وعشرين عامًا، أي نصف المدة التي قضاها المغرب في البحث عن حل لمشكلة لم يشارك أبدا في افتعالها. وبكل صراحة، فقد كثفتُ دراساتي حول الصحراء خلال السنوات العشر الماضية، تمامًا كما فعلتُ مع نزاع الإكوادور، والنزاع الحدودي البحري مع تشيلي، وانضمام بيرو إلى اتفاقية قانون البحار، وكلها قضايا كرستُ نفسي لها بشكل كبير خلال سنوات عملي الطويلة في وزارة الخارجية. وبعد متابعة دقيقة، قبل كل شيء، لدور الملك محمد السادس منذ توليه العرش عام 1999، والذي ظل خلالها الشخصية المحورية في القضية الوطنية المغربية، أستطيع أن أؤكد، دون مبالغة، أنه بفضل جهوده ودبلوماسيته، وبدعم من جلالته، نقف اليوم أمام واحدة من أفضل اللحظات لتسوية هذا النزاع الذي دام لأكثر من نصف قرن.
لم يتهاون جلالته قط في مواجهة مؤامرات جبهة البوليساريو والجزائر، التي كرست جهودها حصراً لمنع الوحدة الترابية للمغرب، بما فيها الصحراء. فبينما ركز الطرف الآخر (البوليساريو والجزائر) على عرقلة المغرب، بل ولجأ إلى العنف والأكاذيب، انصب اهتمام الملك على تقديم حلول أمام الأمم المتحدة، كما فعل عام 2007 من خلال تقديم مبادرته لمنح الصحراء حكماً ذاتياً.
ويعكس قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي تضمن مبادرة الحكم الذاتي بالكامل، موقف الملك المغربي الحازم. لم تذهب جهود الملك محمد السادس سدى، بل على العكس تماماً، فقد كان له دور بارز في هذه القضية. لطالما واجه الأمر بشكل مباشر وصريح، مرفوع الرأس. ويكفي أن نلقي نظرة على عدد التحالفات التي حصدها المغرب خلال فترة حكم الملك محمد السادس التي امتدت 27 عامًا، وهي تحالفات شهدت تطورا متسارعًا في العقد الأخير. وهذا يؤكد دور الملك الشخصي، إذ كرّس نفسه بالكامل للموقف الوطني والدولة من قضية الصحراء.
دعني ألخص إجابتي على سؤالك الوجيه لأوضح لك كيف أرى الملك محمد السادس خلال فترة حكمه التي امتدت 27 عامًا. وخير طريقة لتلخيص ذلك الأمر هو اقتباس كلماته، التي أعتبرها شاملة في رؤيتها لدور بلاده في المجتمع الدولي، حين قال: “ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم”. هذه الكلمات من الملك تلخص فكره بالكامل بشأن الصحراء.
– تدعم حكومة رئيسة البيرو الجديدة كيكو فوخيموري سيادة المغرب على الصحراء. ما رأيكم في هذا الموقف الجديد بصفتكم مواطنا بيروفيًا، ووزير خارجية سابقًا، وخبيرًا في العلاقات الدولية؟
– بالنسبة لي، لا شك أنه يعتبر أفضل خبر يصدر عن مكتب الرئيسة كيكو فوخيموري بشأن السياسة الخارجية المرتقبة لبيرو. تجدر الإشارة إلى أنها تسلمت الرئاسة في 28 يوليوز، وبدأنا نلمس بالفعل بوادر رسمية لتعزيز حضورنا دوليا، وهو أمر جوهري لأي دولة، كما كان يقول وزير الخارجية السابق البيروفي ألبرتو أولوا سوتومايور، أبرز خبراء العلاقات الدولية في بيرو خلال القرن العشرين.
هذا فأل خير للعلاقات الدولية البيروفية، التي فقدنا فيها، بصراحة، زمام المبادرة رغم بعض الجهود الجيدة.
بصفتي مواطنًا بيروفيًا ووزيرًا سابقًا للخارجية، أشعر بسعادة غامرة إزاء تصريحات الرئيسة الجديدة. فبعد أيام قليلة من توليّ منصب وزير الخارجية في غست 2022، قطعت الحكومة البيروفية علاقاتها تمامًا مع ما يُسمى بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وهي كيان أنشئ بدعم جزائري، بهدف منع المغرب من استعادة سيادته على الصحراء، وبالتالي تقويض الوحدة الترابية للمملكة.
تراجع الرئيس السابق بيدرو كاستيو، بتأثير من بعض قطاعات اليسار البيروفي، عن قرار الحكومة، ولذلك قررت الاستقالة. كنت الوزير الوحيد في عهد كاستيو الذي فعل ذلك، وبشكل نهائي. تضررت العلاقات مع المغرب، وعندما تولت حكومة دينا بولوارتي السلطة، قررت تعليق العلاقات مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، معترفةً جزئيًا بموقفي. إن الخطوة التي تتخذها الرئيسة كيكو فوخيموري بالغة الأهمية، إذ تعترف بسيادة المغرب على صحرائه، وبذلك تنضم البيرو إلى الدعم الواسع لمبادرة الملك محمد السادس المتعلقة بالحكم الذاتي، والتي تجلّت مؤخرا في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797.
وبذلك، تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ بلدينا، اللذين تجمعهما 62 عاما من العلاقات الدبلوماسية. وأنا على يقين بأن الرئيسة كيكو فوخيموري لن تكتفي بمواصلة تعزيز الجهود التي شهدناها في عهد والدها، ألبرتو فوخيموري، في تسعينيات القرن الماضي، حين قاد البلاد نحو حوض المحيط الهادئ وحقق انضمام بيرو إلى منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) عام 1998، بل ستوجه أنظارها الآن نحو المحيط الأطلسي أيضا.
علينا أن نتطلع نحو إفريقيا الأطلسية – ولن أملّ من تكرار ذلك – وأفضل وجهة لتحقيق ذلك هي المغرب بلا شك، وهذا ما أراه في الرؤية الجيوسياسية الجديدة للرئيسة فوخيموري.
– هناك أمرٌ يُقلقنا. لماذا تتغير المواقف في أمريكا اللاتينية مع كل تغيير على مستوى الرؤساء والحكومات؟
– ما يحدث هو أن أمريكا اللاتينية انطلقت من أساسٍ هشٍّ يعود للقرن التاسع عشر. كانت العديد من دولنا تحت سلطة حكامٍ مستبدين، ولم ينجح جميعهم في ترسيخ الديمقراطية بشكلٍ هيكليٍّ قائمٍ على الأحزاب السياسية، حيث يتشكل الوعي بالدولة ويتطور في شعوبنا. لقد كانت السلطة في أيدي من لم يروا مصير بلادهم إلا في حدود الفترة التي انتُخبوا فيها أو تولوا زمام السلطة، أي لديهم نظرة ضيقة. وبسبب افتقارهم إلى ثقافة سياسية تبين لهم كيفية إدارة الدولة، نظر كل حاكم إلى وطنه كإقطاعيةٍ محصورةٍ بين أربعة جدران. هذه هي الحقيقة بالضبط.
ومع حلول القرن العشرين، وبشكلٍ خاص في النصف الثاني منه، أعطت الحكومات الأولوية للجانب الإيديولوجي، مُهملةً سياسات الدولة – تلك التي تتجاوز الظروف الآنية-. دعوني أُعطيكم مثالًا واحدًا فقط: في بيرو، تمكّنا من التغلب على الإرهاب في أوائل التسعينيات، بعد أكثر من عقد من الزمن منذ بداية الثمانينيات، حين حاولت جماعة “الدرب المضيء” (Sendero Luminoso) و”حركة توباك أمارو الثورية” (Movimiento Revolucionario Túpac Amaru) تقويض الدولة البيروفية. في عام 1992، قامت الحكومة البيروفية، كما ذكرتُ في كتابي “ألبرتو فوخيموري: الرجل الذي لا يمكن تعويضه”، الذي نشرته صحيفة “كوريو” (Correo) البيروفية عام 2018، بتحييدهم وهزيمتهم. طوال التسعينيات، مهّدت البلاد الطريق لتحقيق سلام لم يسبق لأحد تحقيقه من قبل. مع ذلك، في السنوات الست والعشرين الأخيرة، لم تعد سياسة مكافحة الإرهاب التي انتهجتها في التسعينيات سياسة دولة، وتراجعنا تدريجيًا؛ واكتفت بيرو بما حققته من نجاحات. هذه هي أفضل حقيقة تاريخية لديّ لتفسير سبب تخلينا، للأسف، عن سياسات الدولة، وإعطاء الأولية للإديولوجيات.
مع وصول الحكومات اليمينية اليوم إلى السلطة في معظم دول أمريكا اللاتينية، تبرز فرصة عظيمة لاستئصال الإيديولوجيات من مفهوم الدولة. يجب إعطاء الأولوية للإجراءات والإدارة بواقعية، لأن الناس لا يعيشون على للإيديولوجيات. لا يستقيم إدخال الجانب الإيديولوجي في المصالح الوطنية.
لسوء الحظ، كانت قضية الصحراء مثالًا صارخًا على ذلك؛ لقد كان خطأً فادحًا، وأنا على يقين من أن هذا الأمر سيتغير مستقبلًا. الحكومات اليمينية في منطقتنا مدعوة إلى وضع معايير عالية جدًا للمستقبل السياسي لأمريكا اللاتينية.
– ما الذي يتعين علينا فعله انطلاقا من المغرب لتجنب التأثر بهذه التحولات السريعة في المواقف عقب كل تغيير على مستوى الرؤساء في دول أمريكا اللاتينية؟
– أنا أعرف جيدا الدبلوماسية المغربية. إنها تتمتع بمرونة استثنائية في مواجهة التعقيدات غير المتوقعة، كما حدث في حالة بيرو. لقد كانت حكومة بلدي هي التي أثرت سلبًا على العلاقات الثنائية، وليس العكس، بإعادة العلاقات مع ما يسمى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وهي كيان وهمي أُنشئ ضد مصالح الدولة المغربية، وضد وحدتها الترابية. هذا أمر غير مقبول، ليس فقط لأنه يخالف الأعراف الدبلوماسية في احترام سيادة الدول، وهو أمر بالغ الأهمية، بل أيضًا لأنه جاء بعد تلقينا مبادرات تقارب وأخوّة استثنائية من المغرب، كما حدث عندما كنت وزيرًا للشؤون الخارجية لدولة بيرو. تلقيت اتصالًا هاتفيًا من وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، الذي التقيت به مجددًا في الرباط عام 2024، في إطار خلوة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. يعد بوريطة دبلوماسيا بارعا. اسمحوا لي أن أعرب عن إعجابي الشديد باستعدادكم الصريح والكامل، رغم كل ما حدث منذ ارتباط بيرو بما يسمى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. وقد عبّر لي الوزير بوريطة عن دعم المملكة المغربية لبيرو في تجاوز الأزمة التي واجهناها بسبب نقص الأسمدة الزراعية، وذلك من خلال وضع خارطة طريق تعود بالنفع على البلدين. بالإضافة إلى بوريطة، أبدى أيضا السفير المغربي لدى بيرو، أمين الشودري، الموقف نفسه، بروح إيجابية عالية، رغم تأثير حكومة بيدرو كاستيو.
إننا نتحدث عن دبلوماسية راسخة. وعليه، ينبغي على المغرب أن يواصل ما تجيده دبلوماسيته، امتثالاً لتوجيهات الملك محمد السادس، وهو نشر الحقيقة حول قضية الصحراء، ومواصلة إظهار أقصى درجات الحرص على تعزيز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، آخذاً في الاعتبار الفرص الهائلة التي تُتاح لبلدينا في الجغرافيا السياسية الأطلسية في هذه المرحلة الجديدة التي بدأت في 28 يوليوز الحالي. إن الدبلوماسية المغربية تعرف كيف تتعامل مع الحكومات المعقدة، وهذه ميزة يجب أن نؤكد عليها دائما.
– مؤخرا، استقبلت الجزائر رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، رغم استمرار مدريد في دعم مخطط الحكم الذاتي للصحراء. هل يمكننا القول إن الجزائر بدأت تُعيد النظر في موقفها، وتتبنى البراغماتية والواقعية بعد هزائمها الدبلوماسية المتتالية؟
– إن الجزائر تغلي غضباً. لقد عجزت أمام موقف إسبانيا الثابت بشأن قضية الصحراء الغربية، ولا أقصد هنا حكومة بيدرو سانشيز الاشتراكية فحسب، بل أرى في ذلك انعكاساً لموقف إسبانيا السياسي المستقبلي من هذه القضية.
صحيح أن مدريد بحاجة إلى الغاز الجزائري، الذي يُمثل نحو 35% من احتياجاتها، لكن من المهم التوكيد أيضاً على أن زيارة بيدرو سانشيز تُتيح للجزائر كسر عزلتها الدولية المتزايدة بعد أن افتعلت المشاكل مع الجميع، كما فعلت مع فرنسا، بقوانين تُجرّم فترة الاستعمار الفرنسي في البلاد.
لا فائدة تُرجى من امتلاك حكومة عبد المجيد تبون كل الغاز في العالم إن لم تُحسن تنسيق علاقاتها الدولية، كما حدث مع إسبانيا نفسها، حين قررت، كرد فعل، استدعاء، في أبريل 2022، سفيرها فور موافقة حكومة سانشيز التامة على مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب بشأن الصحراء المغربية. لم تُدرك الحكومة الجزائرية أن هذا الموقف الانتقامي، الذي تضمن تجميد معاهدة الصداقة بين إسبانيا والجزائر، رسّخ في نهاية المطاف وضعها كطرف في نزاع الصحراء. وكما ترون، فإن قرار الأمم المتحدة رقم 2797، الذي حدد إطار الحكم الذاتي المذكور كأساس حقيقي وجاد وموثوق لحل نهائي للمشكلة، شمل الجزائر دون أدنى شك، إلى جانب جبهة البوليساريو، التي لها دور كبير في ذلك. ولكن في هذه المرحلة، وبالنظر إلى كل ما تحقق، يجب على جبهة البوليساريو أن تُقر بأنها ما تزال تُعتبر طرفًا في النزاع الذي كرست نفسها لإدامته. وقد ظهرت حركات أخرى شرعية وذات مصداقية عالية لتمثيل ساكنة الصحراء، والتي كرست جهودها لإزالت العقبات بدلاً من خلقها، كما هو الحال مع الحركة الصحراوية من أجل السلام.
أما موريتانيا، فقد قررت بالتأكيد النأي بنفسها عن هذه القضية، وانسحبت من الصحراء عام 1979، لتمهيد الطريق أمام المغرب، الطرف الأكثر شرعيةً، بالطبع.
أعتقد أن هذا قد يمثل إعادة صياغة جذرية لموقف الجزائر من الصحراء. هذا ما يُتوقع. وسنرى ذلك في تطور المفاوضات التي بدأت قبل بضعة أشهر. أعتقد أن الحل قريب جدا – لا أدري إن كان سيكون من خلال مد يد العون أو من خلال التدخل الحازم للولايات المتحدة الأمريكية، التي تصرفت بحكمة كراعٍ في المفاوضات الرباعية المذكورة آنفاً، والتي تجري في إطار الأمم المتحدة، وهو السياق الأنسب لحل شامل لمشكلة الصحراء المغربية.
من الجيد أن تعزز إسبانيا والجزائر علاقاتهما، لكن سيكون من الأفضل لو اتخذت الجزائر الخطوة نفسها مع جيرانها في المغرب العربي، الذين تأثروا بها تحديدًا بسبب نهجها المزعزع للاستقرار، حيث تُعطي الأولوية لمطالبها القسرية بالصحراء ومواردها، والمحيط الأطلسي وثرواته الجيوسياسية البحرية والساحلية، التي لا تملكها ولن تملكها أبدًا. ولا أقصد هنا دول الساحل، وهي منطقة أخرى من أكثر مناطق إفريقيا هشاشة، حيث انتهج المغرب، على عكس الجزائر التي لم تفعل شيئًا يُذكر، سياسة خارجية داعمة، عارضًا عليهم المحيط الأطلسي، الذي تعتبره دول الساحل أملًا جيوسياسيًا يصعب تحقيقه عبر البحر الأبيض المتوسط.
يراقب المغرب العربي والساحل والأمم المتحدة سلوك الجزائر عن كثب. هذه فرصة عظيمة، خاصة للحكومة الجزائرية، لتصحيح مسارها بعد أكثر من خمسين عامًا من معارضة استقرار شمال إفريقيا، بل وحتى استقرار الشعب الجزائري نفسه.
– هل يُمكننا القول إن نزاع الصحراء قد حُسم بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797؟
– أعتقد أنه وصل إلى مرحلة نهائية من التسوية، حيث تكتسب المفاوضات، التي أصبحت بدورها نهائية، أهمية بالغة، إذ لم تعد تبدأ من الصفر. فقد بات لهذه المفاوضات إطار عمل أو أساس للتوصل إلى حل نهائي، ألا وهو قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي كان مفقودًا سابقًا.
تجدر الإشارة إلى أن مجلس الأمن قد اعتمد، في 31 أكتوبر 2025، مقترح مخطط الحكم الذاتي الذي قدمه الملك محمد السادس قبل 18 عامًا، في 11 أبريل 2007. والآن، بات كل شيء أكثر جدوى، أو بالأحرى، أسهل.
ودون إضاعة المزيد من الوقت، أعلم أن المغرب قد عمل على نسخة مُحدثة من مخطط الحكم الذاتي، وقد كان ذلك إيجابيًا للغاية. من الواضح أن الدبلوماسية، طوال فترة النزاع، قد استغرقت وقتًا مهما. لقد ساهمت المناقشات والعروض المطولة في اللجنة الخاصة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي شاركتُ فيها كمُقدِّم التماس وسأواصل المشاركة فيها – إذ ستواصل هذه اللجنة معالجة المشكلة حتى التوصل إلى حلٍّ كاملٍ ونهائي – وتبادل الآراء على جميع المستويات التي يُنظر فيها إلى نزاع الصحراء، ولا سيما جهود الدبلوماسية المغربية في جميع المحافل التي يمكن اعتبارها ضرورية واستراتيجية لدعم مقترح الحكم الذاتي المذكور آنفًا الذي قدمه ملك المغرب إلى الأمم المتحدة، في تهيئة ظروف متقدمة التي أفضت في نهاية المطاف إلى القرار التاريخي 2797.
لا يُنهي هذا القرار قضية الصحراء بشكل تام، ولكن لا يُمكن إنكار أن المسألة قد دخلت، ولأول مرة، المسار الوحيد المتوقع لحلها، حيث يجب أن يكون المسار الوحيد، الذي يسترشد بأقصى درجات المنطق والواقعية، هو، في نهاية المفاوضات، تأكيد الحل من خلال الحكم الذاتي للصحراء، وهو حلٌّ يحظى بموافقة الجميع أو معظمهم. باعتبارها الاقتراح الأكثر واقعية وجدية ومصداقية الذي كان من الممكن أن يقترحه المجتمع الدولي أيضا للمناطق الجنوبية من المملكة المغربية كما عبرت عنه الأمم المتحدة.
– هناك اكتساح من طرف اليمين المتطرف داخل أمريكا اللاتينية. هل سيستمر هذا الوضع طويلا، أم أن الأمر يتوقف على مدى التزامه باحتياجات وتطلعات المواطنين؟
– أعتقد أن أمريكا اللاتينية اختارت حكومات يمينية دون أدنى تفكير في الإيديولوجيات، لأن الناس لم يعودوا مهتمين بالجانب الإيديولوجي على الإطلاق. لقد ولّى زمن الحرب الباردة، حين كانت الإيديولوجيا هي العامل الحاسم. اختار الناس بحكمة نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يوفر لهم جودة الحياة والرفاهية والسعادة التي يفتقدونها حاليًا. يشعر الناس بالخداع من قبل حكومات فاسدة وشعبوية لم تفعل شيئًا سوى نهب الدولة، ومن المصادفة أن هذه الحكومات يسارية في غالبيتها، مليئة بالانتهازيين والدجالين، ولهذا السبب تم انتخاب حكومات يمينية. أقول هذا بكل احترام، فأنا لا أحمل أي ضغينة أو تحيز ضد اليسار. لهذا السبب قررتُ ترك الأوساط الأكاديمية، وبصفتي رجل دولة، دعمتُ حكومةً يسارية، لكنني اضطررتُ للاستقالة بسبب التناقضات الصارخة التي اكتشفتها في ممارستها للسلطة. وأنا أفهم بشكل كبير الوعود الكاذبة وانعدام الجدية في الحكم، ولهذا السبب، كما ذكرتُ سابقًا في هذا الحوار، لم أتردد لحظةً واحدةً في الاستقالة نهائيًا من منصبي كوزير خارجية في بلدي.
الحقيقة هي أن الحكومات اليسارية قد دمرت بلداننا؛ انظروا فقط إلى حالة كوبا ونيكاراغوا، وخاصةً فنزويلا، التي ينهض شعبها ببطء من الجحيم الذي قادهم إليه تشافيز ومادورو.
لا داعي لتذكيركم بأنني لستُ ماركسيًا ولا شيوعيًا، وأن الشيوعية مجرد يوتوبيا لأنها غير موجودة في الواقع. لكن من الواضح أن الحكومات التي ادعت الصراع الطبقي والمساواة المطلقة، وقدمتها على أنها فضيلة إنسانية زائفة، قد قادت بلداننا إلى التدهور الاقتصادي والاجتماعي.
أمام اليمين في أمريكا اللاتينية فرصة هائلة، لم يسبق لها مثيل في رأيي، لتحقيق ما يتوقعه الناس الذين تعلموا عدم الثقة بالجميع. وحده الشعب سيحكم على أداء الحكومات اليمينية، وسيكون ذلك مرتبطًا بنتائجها.
أؤمن ببداية عهد جديد لأمريكا اللاتينية، وبالتالي لبلدي، الذي يجب عليه تعويض ما فاته من وقت، وتمهيد الطريق للتنمية. لن يكون الأمر سهلاً، لكن على اليمين أن يتحلى بالصمود، وأن يلتزم بأهدافه وغاياته، تلك الأهداف التي وضعها لنفسه في البلدان التي سيحكم فيها.
– هل يمكننا الحديث الآن عن بيرو جديدة بعد تسعة رؤساء خلال عقد واحد، أم أنه ينبغي الانتظار أكثر؟
– سيُشكل انتخاب السيدة كيكو فوجيموري رئيسةً لبيرو بداية عهد جديد في تاريخها. أعتقد ذلك. فقد وصلت إلى أعلى منصب في الدولة البيروفية بعد فترة عصيبة عانت خلالها من السجن، لكنها لم تستسلم قط. هي ابنة الرئيس السابق ألبرتو فوخيموري، الذي كان، كما ذكرتُ في مقالتي “ليغيا وفوخيموري” المنشورة في صحيفة “إكسبريسو” البيروفية بتاريخ 15 شتنبر 2024، إلى جانب ما يُسمى بـ”حكم الأحد عشر عامًا”، أحد أكثر قادة القرن العشرين تعرض للتشويش والتشويه، وذلك لتميزه بالشخصية والحزم – وهي صفات لطالما طالبتُ بها قادة بلادنا -.
يُطلب من الرئيسة الجديدة إنهاء الفوضى التي سادت العقد الماضي، حيث كان بعد كل اثني عشر شهرًا تقريبًا يأتي رئيس جديد. لكن لا يمكن تحقيق ذلك بعصا سحرية. هناك الكثير مما يجب إعادة بنائه، والكثير مما يجب البدء في وضع أسسه من أجل بيرو متجددة ومختلفة.
تحدثت الرئيسة الجديدة عن النظام والانضباط في بيرو، ومن وجهة نظري الأكاديمية كأستاذ جامعي، أؤيدها تمامًا في هذا الأمر. بل أذهب إلى أبعد من ذلك، فأعتقد أننا بحاجة إلى حزم، أو قوة، أياً كان الوصف، لإعادة النظام إلى البلاد، حيث تفاقمت انتهاكات الحقوق من قبل بعض القطاعات السياسية والاجتماعية التي تُعمّق الانقسام في البلاد، وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر على هذا النحو. إلى جانب هذا الواقع، فإن ارتفاع معدل الجريمة، الذي يسعى إلى تقويض الدولة، يعرفه القاصي والداني.
من وجهة نظري، ينبغي على بيرو الانسحاب من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لكي تتمكن من تطبيق عقوبة الإعدام، وحتى لا نبقى بدون نظام فوق وطني، لا سيما الآن بعد أن باتت دول مجموعة الأنديز تتمتع بحكومات متوافقة في التوجهات. قد تُفضي جهودنا الدبلوماسية إلى توافق في الآراء بشأن إنشاء محكمة أنديزية لحقوق الإنسان، كما اقترحتُ في عام 2023 في مقر برلمان الأنديز في بوغوتا، مُعيدًا تأكيد اقتراحي: “أقترح إنشاء محكمة أنديزية لحقوق الإنسان” بتاريخ 8 فبراير 2018، والمنشور في صحيفة “كوريو” البيروفية. لكن هذا الأمر سيخضع لتقييم الحكومة البيروفية الجديدة؛ فهو ليس من اختصاصي. أود فقط أن أدعو المعارضة إلى ممارسة معارضة بنّاءة، لا أن تُضيّع وقتها في جدالات عقيمة. من السهل دائمًا توجيه الانتقادات من بعيد. علينا أن نفكر في مصلحة البلاد وأن نتصرف بحسن نية.







