04 أغسطس 2026 / 11:20

بيت الصحافة

محمد السادس.. الملك الحكيم المتبصر

مارس 30 - 29 يوليو 2026

محمد الدرويش*

تحل يوم 30 يوليوز من كل سنة ذكرى تربع جلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه الأمجاد، و هي مناسبة يوجه جلالة الملك محمد السادس خطابه السامي إلى الشعب، يقدم خلاله تقييما للمنجز وتوجيها للاتي.

 

وهاته السنة، نعيش السنة السابعة والعشرين من حكم جلالته، و بالنظر الى هاته السنوات، و استحضاراً للتطور الذي يعرفه المغرب في عدة مجالات، و تذكيراً بما تم إنجازه خلالها بمبادرات من جلالته، وتحت اشراف وتتبع منه، نذكر منها:

 

العدالة الانتقالية

 

استكمال مهام و مسؤوليات هيئة الإنصاف والمصالحة (تعويضات آلاف الضحايا – إنجاز وحفظ الذاكرة الوطنية الحقوقية…)

 

البنيات التحتية

 

عرفت البنيات التحتية بمختلف أنواعها تطوراً مشهوداً و غير مسبوق شمل الطرقات بحيث بلغت ما يقارب 1900 كلم من الطريق السيار، و آلاف الكيلومترات من الطرق الوطنية و القروية الرئيسة والثانوية، وكذا السكك الحديدية التي شهدت إطلاق قطار فائق السرعة البراق بإشراف ملكي البيضاء – طنجة، وانطلاق مشروع نفسه في اتجاه مراكش و أكادير، اضافة الى تعزيز شبكة السكك الحديدية المغربية، و تطويرها و تحديثها، و مطارات المغرب شهدت خلال هاته السنوات عدة إصلاحات و توسيع بنياتها و تحديث أسطولها، كما أن الموانئ المغربية عرفت تطوراً لافتا إذ صار ميناء طنجة مثلاً من أكبر الموانئ بإفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، والشيء نفسه يعرفه ميناء الداخلة و ميناء الناظور.

 

المجالات الصناعية و التجارية و الاقتصادية

 

شهد قطاع الصناعة تطورا ًملحوظاً إذ انتقل المغرب من دولة ترتكز أساسا على القطاع الفلاحي ومخزون الفوسفاط و غياب مدن صناعية بالمملكة إلى دولة عددت من قطاعاتها الصناعية ونوعتها لتشمل مدنا تمتد على التراب الوطني من شمال المغرب إلى جنوبه ووسطه وشرقه وغربه، و هكذا طورت المملكة في عهد جلالة الملك محمد السادس و بإشراف و تتبع منه مجموعة من القطاعات الصناعية شملت مجال السيارات والكابلات الكهربائية والصناعات الغذائية والكيميائية وصناعة النسيج وصناعة الطيران.

 

الطاقات المتجددة

 

كما قرر جلالته منذ بداية حكمه توجيه عنايته ورؤيته المستبصرة نحو مشاريع الطاقات المتجددة بداية بمشروع نور 1 و 2 و 3 و التي شملت نور ورزازات للطاقات الشمسية و مزارع الطاقات الريحية لطنجة والعيون وطرفاية كما شملت هاته المشاريع تعضيد إنتاج الطاقات الكهربائية. وفي المجال الفلاحي اهتم العاهل المغربي بسياسة تحديثه وتطوير بنياته نظرا لأهميته في حياة المواطنات والمواطنين وضمانا لأمنهم الغذائي فتعددت سلاسل الإنتاج وتنوعت، كما همت صناعات فلاحية بعينها، وتم تشجيع الصادرات الفلاحية الى أوروبا وإفريقيا وأمريكا و آسيا؛ كما صاحبت تلك السياسة موازاة معها برامج لإنشاء محطات تحلية المياه البحرية بدءا من أكادير والداخلة والبيضاء وغيرها، وكذا تبني واضح وصريح لسياسة بناء وتشييد سدود – سيرا على نهج والده المرحوم الحسن الثاني –؛ وبذلك عرف المغرب تطوراً حقيقياً في المجال الاقتصادي بحيث عرف الناتج الداخلي الإجمالي نموا متسارعا ومتطورا بسبب تعزيز و تقوية مجالات التبادل الحر الموقعة مع مجموعة من الدول وتشجيع الاستثمار وتحسين جاذبيته.

 

القضايا الاجتماعية

 

وقد شكلت القضايا الاجتماعية هما حمله جلالة الملك محمد السادس منذ بداية حكمه فقد أشرف على إطلاق مبادرات وطنية للتنمية البشرية شملت الطبقات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة من خلال برامج مباشرة لمحاربة الفقر والأمية وتمويل مئات آلاف المشاريع التنموية ساهمت في الحد من الهشاشة، ومن خلال دعم تعاونيات فلاحية او تجارية أو صناعة تقليدية أو غيرها، كما شملت الجوانب الاجتماعية شق الحماية عبر برامج الدعم الاجتماعي المباشر للأسر وتعميم التأمين الإجباري عن الأمراض.

 

و موازاة مع ذلك عملت المملكة المغربية في عهد الملك محمد السادس عناية خاصة بمنظومة التربية و التكوين بحيث أنه جعلها القضية الثانية بعد قضية الوحدة الوطنية نظراً لمركزيتها وأهميتها في تكوين المواطن المؤمن بأن المواطنة حقوق وواجبات نتج عن ذلك تطور في إعداد أسرة التربية و التكوين من أقل من 5 ملايين الى ما يقارب 11 مليون من تلاميذ و طلاب و أساتذة و إداريين و هو ما يمثل أقل من ثلث سكان المغرب كما تطورت ميزانية المنظومة لتنتقل إلى 99 مليار درهم،… وفي المجال الصحي عرفت المرحلة تطورا غير مسبوق في أعداد المستشفيات الجهوية و الإقليمية و المحلية، كما عرفت إنشاء مجموعة من كليات الطب و الصيدلة و المستشفيات الجامعية بوجدة وفاس والعيون والرشيدية وكلميم وأكادير وغيرها؛ و لإتمام جوانب القضايا الاجتماعية شملت العناية الملكية المجال السكني؛ و لذلك أعطى تعليماته للحكومات المتعاقبة من أجل محاربة دور الصفيح و وضع برامج سكن اجتماعي يضمن كرامة المواطنين.

 

الحقل الديني

 

وفي مجال الحقل الديني فإن جلالة الملك أولى عناية خاصة بهذا الحقل لما له من تداعيات على الجوانب الروحية للمغاربة عبر التاريخ بتشبثهم المتجدد بشعارهم الخالد الله الوطن الملك و إيمانهم بالله ورسوله والمذهب المالكي، وقد حرص جلالته على دعمه المتجدد لهذا المجال و بتوجيه وزيره في الأوقاف والمجلس العلمي و الجهات المشرعة لإصلاح الحقل الديني كما حافظ جلالته على الدروس الحسنية كل رمضان، وأشرف على إنشاء معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات و السهر على تكوين أئمة عدة دول إفريقية وأوروبية مع دوام إرسال بعثات أساتذة باحثين و أئمة لتأطير وإعطاء دروس بالمساجد والجمعيات بأوروبا و غيرها.

 

الشأن الثقافي

 

القطاع الثقافي جزء من اهتمامات جلالة الملك محمد السادس إذ أولى جلالته عناية خاصة به، و ذلك بتشجيع الثقافة والمثقفين وبناء المتاحف والمكتبات ودور الثقافة وإنشاء مسارح جديدة و ترميم القديمة منها وتنظيم المهرجانات المحلية والإقليمية والوطنية والدولية.

 

المجال الرياضي

 

وفي سنة 2008 وجه جلالة الملك نظره إلى مجال يشكل اليوم دبلوماسية قوية موازية شعبية غزت كل دول العالم و كل الطبقات الإجتماعية من رؤساء و ملوك و حكومات و أبناء و بنات الشعوب وهو المجال الرياضي الذي عرف طفرة استثنائية قفزت بالمغرب إلى المراتب الأولى في الترتيب الدولي خصوصا في مجال كرة القدم . فقد تم بناء ملاعب حديثة و متطورة البنيات كما تم تشييد عدة ملاعب للقرب ومراكز لتكوين الأطر والفرق الرياضية، وقد تميزت مشاركة الفريق الوطني بكأس العالم دورة قطر 2022 بمشاركة مشرفة للأسود خرج على اثرها الشعب المغربي يتقدمهم جلالة الملك وهو يرتدي قميص الفريق الوطني لمشاركة احتفالات شعبه بشوارع مدينة الرباط؛ و المملكة اليوم بعد المشاركة المشرفة للفريق الوطني تستعد لاستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

 

الجوانب الأمنية

 

وحتى يتمكن المغرب من تعزيز استقراره وأمن مواطناته و مواطنيه و كل من يحل بأرضه و الدفاع عن حدوده و كل شبر وتراب من ترابه اختارت المملكة بقيادة جلالته، وهو القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة إيلاء عناية خاصة لأفراد القوات المسلحة الملكية، كما أولى نفس درجات العناية والاهتمام بالأجهزة الأمنية تحديثاً لوسائل اشتغالها وبنياتها، تثبيتا للأمن الداخلي ومكافحة للإرهاب الخارجي وتطويرا للأمن السيبراني وتقوية التعاون الدولي في هاته المجالات.

 

القضية الوطنية الأولى للمملكة

 

وتظل قضية الوحدة الوطنية و الدبلوماسية الدولية مجالاً من المجالات التي خصص لها جلالة الملك محمد السادس برنامجا خاصا و تعاملاً استثنائياً ورؤيةً متبصرةً ومتابعةً دقيقةً شكلت تميزا دولياً لجلالته، و جعلته يحظى بتقدير واحترام رؤساء وملوك دول عظمى من كل قارات المعمور، تدبيراً رصيناً هادئاً لقضية حارقة وطنياً ودولياً واعتمد سياسة عقلانية تحترم الآخر، رغم الاختلاف، وتستحضر المستقبل ببرغماتية حكيمة جعلت إجماع ( 11 دولة مع ، و 3 امتناع ، – وهو موقف قد يصنف مع – و1 عدم المشاركة – وهو أيضا مع محتشمة) مجلس الأمن يعتمد مشروع الحكم الذاتي أرضيةً وحيدةً للمفاوضات ومنذ 31 أكتوبر 2025 الذي جعله ملك البلاد عيداً وطنياً، والقضية تعرف تقدماً ملموساً وتغيراً في مواقف الجزائر والجبهة واستحساناً من قبل معظم الدول واعترافات متواترةً وفتحاً لقنصليات بالعيون والداخلة وتدشينا لمشاريع كبرى آخرها الاتفاق الموقع بين المغرب وأمريكا هذا الاسبوع.

 

الاصلاحات الدستورية والسياسية

 

تتميز سنوات حكم الملك محمد السادس كذلك بدستور 2011 و الذي شكل محطة من أبرز المحطات الدستورية و السياسية للمملكة بما حمله من توزيع للسلط وتحديد للاختصاصات ودسترة للأمازيغية وتوسيع للحريات وغيرها، كما تميزت هاته المرحلة بتوسيع حقوق المرأة وحمايتها وضمان حقوقها (إصلاح مدونة الأسرة 2004 و الفصل 19 من الدستور والمشاركة السياسية ومكافحة العنف ضدها والتمكين السياسي والاقتصادي).

 

المغرب الإفريقي

 

ولا بد من التذكير بسياسة جلالة الملك تجاه دول القارة الإفريقية فقد جعل منها هدفاً استراتيجياً استبق بناء المستقبل عبر الرحلات المكوكية التي قام بها جلالته لسنوات زار خلالها دولاً بعينها و أمر بالقيام باستثمارات ضخمة في عدة مجالات منها الأبناك، والاتصالات، والفلاحة، والبنيات التحتية، والتكوين المهني والديني والطاقات المتجددة … وكذا عبر قراره الحكيم العودة إلى هياكل الإتحاد الإفريقي.

 

استدراك

 

تقدم في عدة مجالات عرفته المملكة المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله و أيده، تبصره الأعين، وتلمسه الأيادي، وتعيه الأبصار.

 

ومع ذلك تظل مجموعة من القطاعات، خصوصاً الاجتماعية منها، لا ترقى لهذا التقدم، وتعرف بعض النواقص لعدة أسباب، وهو ما جعل جلالته في كل رسائل مبادراته وخطبه يعبر عن عدم رضاه عن أداء مجموعة من المؤسسات الدستورية، والحكومية، والمنتخبة، كما أن جلالته حمل مرات عديدة المواطن مسؤوليات اختياراته، وانتقد بشدة أوضاع مجموعة من القطاعات في مقدمتها، التربية والتكوين، والصحة، والسكن، ومحو الأمية، ومحاربة الفقر، وغيرها مما يمس حياة المواطن وكرامته، ورفعة المغرب والمغاربة.

 

——————————
(*) فاعل أكاديمي وسياسي.

 

التصنيف : آراءالمغرب