اعتبر خورخي ديثكايار، السفير الإسباني الأسبق في المغرب والولايات المتحدة والفاتيكان، وأول مدير للمركز الوطني الإسباني للاستخبارات (CNI)، أن كأس العالم لم يعد مجرد بطولة رياضية، بل تحول إلى حدث عالمي تختلط فيه المصالح الاقتصادية والتجارية بالدبلوماسية والسياسة والهوية الوطنية، ويكشف في الوقت نفسه عن تناقضات المجتمعات الغربية في تعاملها مع الهجرة. هذا خلص إلىه في مقال تحليلي نشرته صحيفة “إل بيريوديكو” الإسبانية بعنوان “أشياء من المونديال”.
في هذا الصدد، أكد ديثكايار أن كرة القدم أصبحت اليوم صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات، مشيرا إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حقق نحو 7 مليارات دولار خلال مونديال قطر 2022، ويتوقع أن ترتفع مداخيله إلى 13 مليار دولار في نسخة 2026.
وأوضح أن البطولة لم تعد تقتصر على الجانب الرياضي، بل أصبحت فضاء للإعلانات والاستثمارات الضخمة، مستشهدا بإدراج فترات التوقف لشرب الماء، التي فرضتها درجات الحرارة، والتي تحولت أيضا إلى فرصة لعرض المزيد من الإعلانات التجارية.
وأشار الدبلوماسي الإسباني إلى أن كأس العالم أصبح كذلك مناسبة لتعزيز المكانة الدولية للدول، مبرزا أن زيارة الملك فيليبي السادس إلى المكسيك لحضور إحدى مباريات المنتخب الإسباني شكلت فرصة لإعادة الدفء إلى العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوتر مع الحكومة المكسيكية بسبب الخلاف حول ملف الاعتذار عن الحقبة الاستعمارية.
وفي الجانب الرياضي، اعتبر ديثكايار أن مونديال 2026 يؤكد التحول الذي يشهده ميزان القوى في كرة القدم العالمية، بعدما نجحت 10 منتخبات إفريقية في بلوغ النهائيات، وتأهل 9 منها إلى الدور الثاني، وهو أفضل حضور إفريقي في تاريخ البطولة، مؤكدا أن هذه النتائج تدل على أن كرة القدم العالمية تتغير بسرعة.
وتوقف الكاتب عند ظاهرة اللاعبين مزدوجي الجنسية، موضحا أن 23,2 في المائة من لاعبي مونديال 2026 ولدوا خارج البلدان التي يمثلونها، بعدما لم تتجاوز هذه النسبة 5 في المائة في أول نسخة من كأس العالم سنة 1930.
وسلط الضوء على المنتخب المغربي باعتباره أحد أبرز الأمثلة، مشيرا إلى أن 73,5 في المائة من لاعبيه ولدوا خارج المغرب، بينما تصل هذه النسبة إلى 98 في المائة لدى منتخب كوراساو، في حين تسجل إسبانيا وإنجلترا واليابان أدنى النسب، بحوالي 3,8 في المائة فقط.
ويرى ديثكايار أن هذه الأرقام تكشف مفارقة واضحة في تعامل بعض الدول مع الهجرة، إذ تحتفي باللاعبين ذوي الأصول الإفريقية أو المهاجرة عندما يدافعون عن منتخباتها أو يحققون النجاحات في ملاعبها، لكنها في المقابل تواصل تشديد سياساتها تجاه المهاجرين الفقراء وغير النظاميين.
وكتب في هذا السياق أن “النجوم مرحب بهم لأنهم مهاجرون مؤهلون، بينما الذين يزعجون البعض هم المهاجرون الفقراء، لأن الأغنياء مرحب بهم دائما”. هذه المفارقة تعكس جانبا من النفاق الذي يطبع الخطاب حول الهجرة في عدد من المجتمعات الغربية.
كما أشار إلى أن التمييز لا يقتصر على الدول الغربية، مستشهدا بما وصفه بـ”الاضطهاد” الذي يتعرض له مهاجرون من الكونغو ومالي وتنزانيا وموزمبيق في جنوب إفريقيا، معتبرا أن ذلك يبرز أن العنصرية يمكن أن توجد حتى داخل المجتمعات الإفريقية نفسها.
واختتم السفير الإسباني الأسبق مقاله بالتأكيد على أن كرة القدم، رغم تحولها إلى صناعة عالمية ضخمة وأداة سياسية واقتصادية، لا تزال تحتفظ بقدرتها على منح الشعوب الأمل، قائلا إن الحلم يظل جميلا، وإن كأس العالم يبقى مساحة للفخر الوطني ولإيمان الجماهير بأن المستحيل يمكن أن يتحقق داخل المستطيل الأخضر.







