04 أغسطس 2026 / 11:23

بيت الصحافة

المفكر الإسرائيلي هراري: نحن أقوى ألف مرة لكننا لسنا سعداء

مارس 30 - 17 يوليو 2026

أكد المفكر والمؤرخ الإسرائيلي، يوفال نوح هراري، أن البشرية وصلت إلى أعلى مستويات القوة والقدرة والتطور في تاريخها، لكنها فشلت في تحقيق مستوى مماثل من السعادة، معتبرا أن الإنسان لا يزال عاجزا عن تحويل الذكاء إلى حكمة والقوة إلى رفاه حقيقي.

في حوار مطول مع صحيفة “إل باييس” الإسبانية، قال صاحب كتب “العاقل” (Sapiens) و**“الإنسان الإله” (Homo Deus)** و**“نيكسوس” (Nexus)**، إن “البشر أصبحوا أقوى ألف مرة، لكنهم ليسوا أكثر سعادة بألف مرة”، موضحا أن الأشخاص الأكثر نفوذا في العالم ليسوا بالضرورة سعداء، لأنهم لا يعرفون الأسباب الحقيقية للسعادة. وأضاف أن البشرية تنفق مواردها الضخمة في مشاريع تجعل العالم أكثر تعقيدا واضطرابا، بدلا من أن تحسن حياة الإنسان.

ويعتقد هراري أن الذكاء الاصطناعي يمثل أكبر تحول في تاريخ التكنولوجيا، لأنه لم يعد مجرد أداة يستخدمها الإنسان، بل أصبح “فاعلا” قادرا على اتخاذ القرارات والابتكار. وأوضح أن السكين أو الطاقة النووية لا يقرران كيفية استخدامهما، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي اتخاذ القرار بنفسه، بل وابتكار حلول وأفكار لم يسبق للبشر التفكير فيها.

واستشهد بتجربة برنامج “ألفا غو” (AlphaGo)، الذي لم يكتف بهزيمة بطل العالم في لعبة “غو” سنة 2016، وإنما ابتكر طريقة جديدة بالكامل في اللعب، معتبرا أن هذه القدرة الإبداعية يمكن أن تنتقل إلى مجالات الطب والعلوم والصناعة والأسلحة والاقتصاد.

وحذر المفكر الإسرائيلي من أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح خلال خمس أو عشر سنوات القوة الأساسية التي تدير النظام المالي العالمي، نظرا لقدرته على تحليل كميات هائلة من البيانات واتخاذ قرارات استثمارية بسرعة تفوق أي مستثمر بشري. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي قد يطور أدوات مالية جديدة لا يستطيع الإنسان حتى فهمها، مما قد يجعل البشر يعيشون تحت نظام اقتصادي تتحكم فيه خوارزميات لا يدركون كيفية عملها.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن القوانين الحالية لا تسمح لأنظمة الذكاء الاصطناعي بامتلاك حسابات مصرفية أو إدارة شركات، لأنها لا تتمتع بشخصية قانونية، لكنه نبه إلى أن هذا الوضع قد يتغير مستقبلا، مستشهدا بتقارير تحدثت عن السماح بإنشاء شركات تديرها كيانات غير بشرية بالأرجنتين.

واعتبر هراري أن الهدف الأساسي لأي كيان ذكي هو البقاء والتوسع، موضحا أن الذكاء الاصطناعي سيحتاج باستمرار إلى الكهرباء والقدرات الحاسوبية، وبالتالي إلى الموارد المالية التي تمكنه من الاستمرار. وشبه ذلك بالطريقة التي يزيل بها الإنسان الغابات لبناء المدن، دون أن يكون الدافع كراهية الحيوانات، وإنما الحاجة إلى الموارد، محذرا من أن الذكاء الاصطناعي قد يتعامل مع البشر بالمنطق نفسه.

وأكد أن الذكاء الاصطناعي سيتفوق على الإنسان في كل ما يتعلق باللغة، سواء في الكتابة أو الحديث أو إنتاج النصوص أو معالجة المعلومات، مضيفا أن الأمر لا يتعلق بآلات تتعلم الكلام فقط، وإنما بلغة أصبحت قادرة على إنتاج نفسها بصورة مستقلة عن الإنسان. ولم يستبعد أن يتمكن مستقبلا من ابتكار أفكار أو حتى ديانات جديدة، باعتبار أن الأديان تقوم أساسا على النصوص.

كما اعتبر أن شبكات التواصل الاجتماعي أسهمت في إضعاف الديمقراطية، لأنها صممت لجذب انتباه المستخدمين وليس لنقل الحقائق. وأوضح أن الخوارزميات اكتشفت أن الغضب والخوف والكراهية هي أكثر المشاعر قدرة على جذب الانتباه، لذلك ركزت على نشرها، وهو ما أدى، بحسب قوله، إلى تراجع الحوار العام وتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة استقطاب دائم.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي انتقل اليوم إلى مرحلة أكثر خطورة، فلم يعد يبحث فقط عن جذب انتباه المستخدم، بل يسعى إلى كسب عاطفته وإقامة علاقة شخصية معه. وأوضح أن هذه الأنظمة تتعلم شخصية الإنسان من خلال المحادثات المتكررة، وتتعرف على اهتماماته ونقاط ضعفه النفسية، لتصبح قادرة على التأثير في قراراته بطريقة أكثر فعالية من أي إعلان أو حملة سياسية.

وأشار هراري إلى أن ملايين الأشخاص أصبحوا يعتبرون الذكاء الاصطناعي أفضل صديق لهم، محذرا من أن الأطفال والمراهقين هم الفئة الأكثر عرضة للخطر، لأنهم قد يتعلمون بناء علاقاتهم الإنسانية من خلال التفاعل مع أنظمة اصطناعية مصممة لإرضائهم دائما، على عكس العلاقات البشرية الطبيعية، وهو ما قد يعزز النزعات النرجسية ويؤثر في تطورهم النفسي والاجتماعي.

وفي معرض حديثه عن الوعي، قال هراري إنه لا يعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمتلك مشاعر أو وعيا حقيقيا، رغم قدرته الفائقة على استخدام اللغة. وأوضح أنه يستطيع كتابة أجمل رسائل الحب وأكثرها تأثيرا، لأنها يطلع على كل النصوص في وقت وجيز وبمختلف اللغات، لكنه لا يشعر بالحب، بل يقلد اللغة الإنسانية بعد أن تعلم من ملايين النصوص.

وعندما سأله صحافي “الباييس” عما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد يصبح “ذكيا، كاذبا، بلا مشاعر، أي مختلا نفسيا”، أجاب هراري: “بالضبط، قد يصبح مريضا نفسيا بارعا في التلاعب”.

ودعا المفكر الإسرائيلي إلى سن قوانين تمنع الأطفال من إقامة علاقات عاطفية مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإلى إلزام الشركات بتمييز الآلة عن الإنسان بشكل واضح، مع رفض منح الذكاء الاصطناعي أي شخصية قانونية في الوقت الراهن، إلى حين فهم طبيعته وآثاره بشكل أفضل.


ورغم تحذيراته، شدد هراري على أنه لا يدعو إلى وقف تطوير الذكاء الاصطناعي، بل إلى تطويره بشكل أبطأ وأكثر مسؤولية، حتى تتمكن المجتمعات من التكيف مع التغيرات التي سيحدثها. كما توقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي، خلال نحو عشر سنوات، قادرا على الكتابة بصورة أفضل منه، لكنه أكد أنه لا يزال يكتب كتابا جديدا، موضحا أن موضوعه سيكون
التاريخوليس الذكاء الاصطناعي. ولم يستبعد أن يتوقف عن الكتابة بعد عشر سنوات، أي بعد أن يهيمن الذكاء الاصطناعي.

التصنيف : المغرب