بقلم عبدالرحمان بلعياشي*
عن ابن خلدون: “الناس في السكينة سواء، فإذا جاءت المحن تباينوا”. السكينة خداعة، لا تعكس واقع الحال والناس. السكينة لغز محير، لا نعرف دائماً كيف نتعامل معها، بل وكيف نفسرها ونؤولها. السكينة قد تكون نتيجة عاصفة ما، وقد يحدث العكس، قد تسبق العاصفة التي ستأتي على الأخضر واليابس. والسكينة، كالناس، مفرد يراد به جمع، وهذا ما يزيد من تعقيد المفهومين ومن استعصاء الإحاطة بهما وتحديد معانيهما. فالناس أنواع وأصناف، وأمزجة وطبقات؛ كما لا توجد سكينة واحدة عامة ومعممة، نفهم بها جميع المواقف والسلوكيات والتصرفات وردود الأفعال. الناس معادن، والناس تربية، والناس تكوين، والناس مواقف وظروف، والناس تجارب. والناس زمان والناس مكان. والناس أحوال. والناس ذهنيات والناس عقليات. والناس مذاهب، خاصة فيما يعشقون.
السكينة بالمفهوم الخلدوني قد تكون مرادفاً للهدوء والسلم والسلام. قد تعني الجمود والركود وحالة اللاحركة واللاصخب. حالة اليومي الذي لا يأتي بالجديد ولا يُنتظر منه التغيير. حالة الملل والتكرار والرتابة. حالة التعايش الهادئ والسلس. حالة الهدنة والمهادنة. حالة خالية من المفاجآت والتقلبات والمواجهات، حالة بدون أفق معين، اللهم التدبير اليومي والسير العادي للأشياء والأمور. الحالة التي يكون فيها الجميع منشغلاً بأموره الحياتية اليومية، ومنهمكاً فيما يخصه من أجل أن يعيش ويحيا. حالة يكون فيها الصراع من أجل البقاء أو التفوق خفياً وحافزاً في الوقت نفسه، يعطي القوة والطاقة من أجل مواصلة المشوار، بكل إكراهاته وتحدياته وصعوباته. السكينة من هذا المنظور تجعل من العابر دائماً، ومن المؤقت مستمراً وثابتاً. السكينة سراب وغموض ولبس ولغز. السكينة فراغ يملأ المكان والفضاء والزمان والناس. كما أن السكينة امتلاء لفراغ النفوس والعقول، أو إفراغ لامتلاء طافح في النفوس والعقول والألباب.
الناس تركيبات معقدة. الناس أماني وأمنيات. والناس يأس وحزن وكرب. الناس وجوه وتقاسيم. وجوه بدون علامات ولا ملامح، محتها تقلبات الزمن. وجوه تقول كل شيء، أحياناً يصعب قراءتها. وجوه راضية مستبشرة. ووجوه تنتظر وتترقب. وجوه يقينة ومتيقنة، ووجوه قابعة في براثن الشك والتردد. ووجوه تائهة وضائعة، لا تدري ماذا تصنع. وجوه حائرة ومحيرة، يصعب التكهن بما تفكر فيه. أناس غامضون، لا يعجبهم الوضوح، ويعطون الانطباع بعدم استعدادهم للتغيير. كائنات مسدودة ومنغلقة، يصعب اختراقها، وهذه قوتها. أناس شفافون مثل الماء وواضحون مثل الشمس، يسهل اختراقهم، وضعفهم في وضوحهم. وأناس بين هذا وذاك، أحياناً يبدون سهلين وأخرى معقدين، التعامل معهم مجازفة ومخاطرة، لا يستقرون على حال. أناس حضورهم أو غيابهم سيان. وأناس حضورهم وازن ويُحسب له ألف حساب. وأناس حضورهم غير ذي وزن، ربما غيابهم أفضل. أناس ظلهم خفيف وآخرون ظلهم ثقيل، مملون ولا يطاقون. أناس يرافقهم الصخب أينما حلوا وارتحلوا. وأناس يلازمهم الصمت والسكون، لا يترك مرورهم أثراً ولا يثيرون أدنى انتباه واهتمام. أناس يربطون قيمتهم بما يقولون، وآخرون بما يفعلون.
الناس طموح وطمع. الناس قناعة وكفاف وعفاف. الطموح مستحب وجميل، بل ومطلوب، يجعلك تصبو إلى التحسن في كل ما تقبل عليه، لا تؤذي أحداً ولا تتسبب في أذيته. الطموح يجعلك تقدر ما تملك وما تنعم به دون أن تنظر إلى ما يحوزه غيرك. الطموح صفة وخصلة، في حين يعطي الطمع جرعة زائدة عن اللازم ويدفع إلى تجاوز الآخر من أجل تحقيق منفعة خاصة، يدفع إلى استعمال أساليب ليست دائماً شرعية، ملفوفة بأنانية مفرطة. الطمع يعمي البصيرة لأن الهاجس أقوى من العقل، يغشي البصيرة ويحول دون تقدير ما نملكه أو ما ننعم به. الطمع قد يؤدي إلى هلاك صاحبه في نهاية المطاف، يقود إلى إفلاسه ويبصم على نهايته؛ إعلان صريح عن الضياع والتلف والزوال.
وتبقى القناعة الخصلة المنقذة من الضياع ومن آفات الطمع والجشع…
الناس البساطة والناس التصنع. أناس أحلامهم بسيطة، تسير معهم كظلهم، تنمو وتكبر معهم، لكنها لصيقة بالأرض والواقع. أناس أحلامهم أكبر منهم، أوهام يسيرون وراءها ولا يلحقون بها أبداً. أحلامهم تجعلهم بعيدين عن الحياة وعن الاستمتاع بها وبتفاصيلها فتضيع منهم. أناس يتعاملون بالسليقة وبالطبيعة، وترى الصدق في سلوكياتهم، لا يبذلون أي جهد ولا يتظاهرون ولا يتباهون ولا يتنافسون مع أحد ولا يتعنتون حتى مع أنفسهم، ولا تهمهم بالتالي نظرة الآخر إليهم، فيتصرفون بكل عفوية وضمائرهم مرتاحة، لا تتبدل طبيعتهم ويفهمهم الجميع في هذه الطباع. أناس يريدون أن يكونوا هم، لا غيرهم. وأناس يعيشون على المظاهر فيتصنعون ويجددون في ذلك ويبدعون فيه، لكنهم مرغمون على التظاهر وهذا يكلفهم من المجهود الشيء الكثير. أناس الصورة والمشهد والفرجة، لا يكترثون كثيراً للعمق أو المضمون، ينشغلون بإعطاء الصورة التي يريدون أن يراهم بها الآخر ويتصرفون معها وفقها. أناس يريدون أن يكونوا غير أنفسهم، يعيشون ربما بأقنعة أو بخيال واسع يعطيهم الانطباع بتبني هوية الآخر، هوية الغير… أناس كرامتهم في بساطتهم وقناعتهم ورضاهم بما لديهم وبما هم عليه. أناس كرمهم نظرة صادقة وابتسامة عفوية، رأسمالهم التواضع، وزادهم الرضا والقناعة، وطموحهم العيش الكريم. وأناس يحبون الصخب والهرج والمرج، لا يعجبهم أن يمروا مرور الكرام، لا بد أن ينتبه لحضورهم الجميع، يتكلمون عن المفاهيم السابقة أمام الناس ويتظاهرون بها، لكنهم أبعد ما يكونون عن تجسيدها في أفعالهم. نظراتهم دائماً عالية وطموحهم أكبر حد الطمع الأعمى، يعتقدون اعتقاداً راسخاً أن الكرم والكرامة من صنع الفقراء، ويؤمنون بالعمل ولو على حساب إهانة واستغلال الغير.
أناس صامدون أمام صعاب الزمان والوقت، صامدون في صمت، صامدون في مواقفهم وفي مبادئهم، لا يزيغون قدر الإمكان عنها ولا يحيدون ولا يتغيرون قيد أنملة. أناس يعانون في صمت، وقد يكونوا رحلوا في صمت، وقبل ذلك كانوا قد قاموا بالمسار في صمت. البعض منهم إن لم يترك أثراً، فقد يكونون قد تركوا فراغاً ما، وهذا على الأقل ما قد يخلدهم عند أهليهم وذويهم أو في عشيرتهم. أناس يبحثون عن أنفسهم وذواتهم، يبحثون عما يدلهم على الطريق، يجرون وراء أوتاد ترسل لهم إشارات يستدلون بها ويستنيرون بها علّهم يعودون إلى سكة الحياة لمواصلة المشوار. أناس يبحثون عن العدة والزاد في أنفسهم وبإمكاناتهم حتى لو كانت محدودة أو منعدمة. أناس قادرون بالعزيمة على الانطلاق من لا شيء. أناس قد يحققون إنجازات غير مسبوقة قد توصف بالمعجزة، فقط بالإصرار والمثابرة والعزيمة والاجتهاد. أناس يؤمنون بأنفسهم ويضعون كل ثقتهم فيها، واثقون أن لا شيء يأتي بالصدفة أو مجاناً. أناس صمدوا، قاوموا وتغلبوا على الصعاب، والكثيرون منهم استسلموا أثناء المسير، لأنها أكبر منهم وتفوق إمكاناتهم وقدراتهم بكثير. أناس حاربوا من أجل قضايا يجهلونها، أقنعوهم أنها قضاياهم، لكنهم لم يجنوا ولم يروا أبداً ثمارها، بل عانوا كثيراً من خسائرها وأوزارها. أناس يُدفعون إلى تنفيذ تعليمات وأوامر لم يفهموها ولم تُفسر لهم أبداً، يمتثلون، أحياناً ضداً على قناعاتهم وأفكارهم. أناس اقتيدوا ووجدوا أنفسهم يسيرون مع القطيع، وكل خروج عنه مصيرهم فيه معلوم ومحسوم، لذا يختارون الصمت والإذعان حماية لأنفسهم ولذويهم. أناس متمردون بالفطرة، لا يخضعون بسهولة، يخضعون كل شيء للمساءلة والتحليل والتمحيص والنقد. أناس شعارهم التمرد والرفض والمشاكسة وعدم الرضى، ليسوا بالضرورة سلبيين، لكنهم متعنتون وإقناعهم صعب وشاق. أناس يحسب لوجودهم حساب ويسمع لرأيهم أيضاً. أناس يتمتعون في الغالب بالحد الأدنى من التكوين يتيح لهم التمييز والتحليل والنقد والنقض.
أناس نخرتهم الهشاشة، ظروفهم الاجتماعية وضعتهم في هذه الوضعية التي لم يختاروها، فالاختلالات الواقعة في محيطهم اختارت لهم هذا الوضع. تكوينهم هش، وقناعاتهم هشة إن لم تكن منعدمة، فتراهم يبيعون أنفسهم وكرامتهم بأدنى الأسعار. أناس ركبهم اليأس والإحباط من كل شيء، ليست لديهم ذاكرة، ولا وجود لمستقبل يعملون من أجله، فيعيشون يومهم بما يتوفر فيقبلون بأي شيء. يبيعون أصواتهم في الانتخابات، ويبيعون شهاداتهم في المحاكم والمحاضر، الكذب والنفاق والزور هي عملتهم. الكرامة مفهوم استُؤصل من قاموسهم، أحاسيسهم مجمدة وعواطفهم جافة، فقدوا الثقة في كل شيء، ويصعب ثنيهم عن هذا الطريق.
أناس مرحون، يحبون جو النكتة والدعابة، أرواحهم مرحة لا تحب النكد، نادراً ما تفارق الابتسامة محياهم. أناس ربما غارقون في المشاكل، حياتهم تعتريها صعوبات وتحديات، لكنهم متفائلون وبشوشون، يواجهون الصعاب والإكراهات بابتسامة صادقة، بل ويستهزئون بالوضع ويسخرون منه، لأن ذلك يخفف من هول الأمور وقساوة الحياة، وتراهم مقبلين على الحياة ويتقبلون اختباراتها وامتحاناتها بذراعين مفتوحتين، كما لو كان هذا الوضع قدرهم. هم مرتاحون، هادئون، مسالمون، مطاوعون.
أناس يشتغلون بتفان وإخلاص، ولا ينتظرون جزاء ولا شكوراً، يعطون أكثر مما يأخذون. همهم القيام بمهامهم وفق ضميرهم بانسجام مع قناعاتهم وخدمة للصالح العام. يعملون بنكران ذواتهم، لا يرومون تحقيق مصلحة خاصة أو شخصية. هاجسهم هو إرضاء ذواتهم بأن أنجزوا ما أُنيط بهم وضمائرهم مرتاحة. لا يجعلون من الحواجز والإكراهات مبرراً للخمول والكسل وللتقصير. لا يتخذون من الصعاب مطية لتبرير القصور، ولا من المعارضة والعراقيل مشجاباً يعلقون عليه ما يُفترض أن يكونوا قد أنجزوه. يعرفون أن الكمال لله، لكنهم لم ولن يدخروا جهداً في سبيل المضي بعيداً في الإنجاز. أناس زادهم الصبر ودربهم العمل بتفان وإخلاص، وهذا ما يمنحهم الزاد للمضي قدماً دون الالتفات إلى ما قد يعطل العجلة. هم واعون بالصعوبات، بل ويتوقعونها أثناء المسار، ويهيئون من الحلول ما يذللها أو ما يزيلها لضمان السير السليم للأمور. وتراهم يعتزون بعملهم وفخورين بأدائهم، مرفوعي الرأس والهمة، بعيداً عن أي تأنيب للضمير يجعلهم يعيشون في ندم وإحساس بالذنب.
—————————
• كاتب وأستاذ جامعي







